«التكويع» الإلكتروني

نشر في 23-06-2026
آخر تحديث 22-06-2026 | 18:23
 د. بلال عقل الصنديد

في مشهد يكاد ينافس أقوى حبكات الدراما السياسية، فاجأ «الزعيم» دونالد ترامب العالم بتوقيعه -على هامش قمة السبع- مذكرة التفاهم لوقف الحرب مع إيران. غير أن الأنظار لم تتجه إلى الاتفاق فحسب، بل إلى طريقة تثبيته عبر آلية «التوقيع الإلكتروني»، بينما كان الجميع ينتظر المشهد الاحتفالي في أحد المنتجعات السويسرية.

لا شك أن البعد السياسي للحدث أهم من بعده التقني. إذ يبدو أن التوقيع الإلكتروني منح كل طرف فرصة للقول لجمهوره: «لم نجلس مع العدو، ولم نصافحه، ولم نتراجع عن خطابنا الوطني»! وكأن التكنولوجيا تحولت من وسيلة لتسهيل الإجراءات إلى وسيلة لتخفيف الحرج السياسي.

من جانب متصل، تبدو التفاصيل الحقيقية للاتفاق بعيدة عن متناول الرأي العام. فما تسرب إلى الإعلام لا يتجاوز عناوين عامة وحديثاً فضفاضاً عن شروط وقف التصعيد. أما البنود الفعلية، فيبدو أنها ما زالت مغيّبة عن الأنظار، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كان ما أُعلن هو الجزء القابل للنشر، فيما بقيت التنازلات والالتزامات الحساسة حبيسة الملاحق السرية أو التفاهمات غير المعلنة.

وأمام هذا المشهد، يسهل استحضار مصطلح «التكويع» الذي دخل القاموس السياسي اللبناني منذ سنوات، إذ تختصر الكلمة فن الانعطاف الحاد والانتقال من موقف إلى نقيضه مع قدر محدود من الشرح وقدر أكبر من النسيان الجماعي. واليوم يبدو أننا أمام نسخة دولية مطورة يمكن وصفها بـ «التكويع الإلكتروني».

فالتكويع في السياسة لا يُقاس بطريقة الوصول إلى الهدف، بل بحجم المسافة بين الخطاب الذي سبقه والواقع الذي أفضى إليه. وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر إثارة وإحراجاً. فالمذكرة تأتي بعد سنوات من التهديدات المتبادلة والعقوبات وحروب الظل والاشتباكات المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن الأشهر الدامية التي شهدتها المنطقة. وإذا كان الطرفان قادرين اليوم على التوصل إلى تفاهم بهذا الحجم، فإن ذلك يثير تساؤلاً مشروعاً: هل كانت الخصومة بالحدة التي قُدمت بها للرأي العام؟ أم أن قنوات التفاوض لم تنقطع، في حين كانت المنابر السياسية تؤدي دورها المعتاد في شحذ المشاعر؟

ومن هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل تمثل هذه المذكرة مجرد ترتيبات لوقف التصعيد، أم أنها تمهّد لاتفاق نووي جديد؟ وإذا صح الاحتمال الثاني، فسيكون المشهد أكثر إثارة للمفارقة، لأن الاتفاق المنتظر قد لا يبتعد كثيراً في نتائجه عن اتفاق 2015، الذي وقّعه الرئيس أوباما، والذي كان طويلاً هدفاً لانتقادات حادة من ترامب الذي اعتبره تنازلاً أميركياً غير مقبول!

ثم يبرز ملف لا يقل أهمية عن الملف النووي، وهو مستقبل مضيق هرمز. فهل حُسمت الترتيبات المتعلقة بحرية الملاحة وأمن الممرات ضمن التفاهمات الجديدة؟ أم أن هذا الملف أُرجئ عمداً إلى مراحل لاحقة؟

أما في الشرق الأوسط، فقد أظهرت التجارب أن بعض الاتفاقات تبدأ بوصفها تحولات كبرى، ثم سرعان ما تتكشف أنها ترتيبات ندفع ثمنها، أو محطات مؤقتة في مسار صراع أطول وأكثر تعقيداً. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية فعلية لمرحلة جديدة من الاستقرار، أم أننا أمام توقيع قد يجري التكويع عليه عند أول منعطف سياسي أو أمني؟

الأيام وحدها تملك الإجابة

* كاتب ومستشار قانوني

back to top