الكسل الرقمي
كان السؤال الشائع: هل سيلغي الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف: نعم، وقد ألغى... ولكن السؤال الأهم: هل سيلغي الذكاء الاصطناعي قوة تفكير العقل؟
لم يعد هذا الأمر مجرد تخوف عابر، بل صار موضع بحث لدى الباحثين، إذ أخذوا يتحدثون عن ظاهرة سموها Digital Laziness، حيث يُسلِّم المرء وظائف الفهم العميق والتحقق والتفكير للآلة شيئاً فشيئاً، ثم ظهرت مصطلحات أخرى أكثر علمية مثل Metacognitive Laziness وCognitive Offloading، وكلها تدور حول معنى واحد: أن العقل إذا طال اعتماده على غيره ضعفت فيه ملكة النقد والمراجعة، حتى يغدو تابعاً لما يُملى عليه بعد أن كان قادراً على التحقق والتمييز.
وليس المقصود بذلك ذمّ الذكاء الاصطناعي، فالأدوات لا تُلام في ذاتها ولا تُحمد، وإنما يُلام من يسلم نفسه لها بدون ضوابط أو حذر!
ونقصد بالحذر هنا، ليس من المسائل الحسابية أو التقنية، فهذه المجالات تخضع غالباً لقوانين واضحة ومعايير قابلة للتحقق، ولذلك تتناقص فيها نسبة الخطأ كلما تطورت النماذج، أما الخطر الحقيقي فيظهر حين ينتقل الإنسان إلى الأسئلة التي لا تحكمها لغة الأرقام: أسئلة في الوجود والدين والهوية والفلسفة والسياسة، فهي شبكة من العلوم والأفكار والحقائق والتصورات والتوقعات المتداخلة بعضها ببعض، وقد تؤثر معلومة بسيطة في منحى الإجابة لمن يملكها. فكل نموذج من الذكاءات الاصطناعية سيعطيك إجابة تختلف عن غيره، فهي كما قلنا ليست معادلات رياضية تخضع لخطوات حسابية محددة، فهنا لا يكون الأمر مجرد معلومة تُستخرج، بل رؤية تُبنى وقيم تترتب في عقل المتلقي من منظور مصممي هذه التطبيقات والبرنامج، وأولويات تُقدَّم على غيرها.
وهناك مخاوف أخرى لا تتعلق بآلية عمل برامج الذكاء الاصطناعي ولا فيما يحدثه من كسل ذهني لدى بعض المستخدمين، بل في الجهة التي تملكه، فما الذي يضمن أن تبقى هذه الخدمات متاحة بالشروط نفسها؟ وما الذي يضمن ألا يصبح الوصول إلى أفضل النماذج حكراً على فئة معينة، أو من يملك القدرة على الدفع؟ وما الذي يضمن ألا يكون ثمن الخدمة هو خصوصيتك وبياناتك وشخصك وعائلتك؟
ثم إن الأنظمة الذكية ليست كياناً مستقلاً بذاته، بل هي نتاج بشري ومؤسسات وشركات لها مصالح، ولهذا رأينا خلال السنوات الماضية اختلافاً ملحوظاً في بعض إجابات الأنظمة الكبرى تجاه قضايا سياسية واجتماعية وفكرية، بل وتغيراً في بعض مواقفها بمرور الوقت تبعاً لتحديثات المطورين وسياسات الشركات المالكة لها. وليس المقصود هنا وجود مؤامرة خفية، بل هي حقيقة أبسط من ذلك: أن كل نظام معرفي يحمل شيئاً من افتراضات صانعيه وتوجهاتهم ورؤيتهم للعالم.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الذكاء الاصطناعي، بل في ضعف الإنسان أمام إغراء الراحة، فالعقل البشري كالجسد يضعف إذا هجر التدريب والقدرة على التحليل والنقد والاستنتاج. فإذا اعتاد الإنسان أن يفكر عنه غيره، ويلغي طاقات عقله في الاسترجاع والحفظ والتفكير النقدي والتحليلي فلن يكون صاحب عقل متيقّظ لمّاح سريع البديهة... وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تُخمد طاقات العقل وتُكسّل نشاطه – وكما يصفه البعض: الغباء في استخدام الذكاء!