دراسة:عندما تصبح المعرفة محصورة في أشخاص: الخطر الصامت داخل الشركات الكبرى

نشر في 22-06-2026
آخر تحديث 21-06-2026 | 18:05
 إبراهيم الكندري

تخيل أن موظفاً قديماً في إدارة تشغيلية يغيب فجأة، لا يبدو الأمر في البداية أزمة كبيرة، فالشركة تملك نظاماً تقنياً، ودليلاً للإجراءات، وهيكلاً تنظيمياً واضحاً، وربما أكثر من لجنة تتابع العمل، لكن بعد ساعات، تبدأ الأسئلة الصغيرة بالظهور، من يعرف تفاصيل هذا الاستثناء؟ لماذا نعامل هذا العميل بهذه الطريقة؟ كيف يتم تجاوز هذا الخلل المتكرر؟ من يتحدث مع الجهة الرقابية في هذه الحالة؟ ولماذا صُمم هذا الإجراء أصلاً بهذا الشكل؟

هنا تكتشف المؤسسة أن المشكلة ليست في غياب شخص فقط، بل في غياب جزء من ذاكرتها، فالخطر لا يظهر دائماً في تقارير المخاطر، ولا يأتي دائماً على شكل تعطل نظام أو أزمة مالية، أحياناً يكون جالساً بهدوء بزاوية رأس شخص واحد.

بين وجود الإجراءات وامتلاك المعرفة

كثير من المؤسسات تعتقد أنها تملك المعرفة لأنها تملك سياسات مكتوبة وأدلة إجراءات، لكن الإجراء المكتوب يجيب غالباً عن سؤال، ماذا يجب أن يحدث؟ أما المعرفة التشغيلية الحقيقية فتجيب عن سؤال أكثر أهمية، كيف يحدث ذلك فعلاً، ولماذا يحدث بهذه الطريقة؟

في الواقع العملي، لا تسير الأعمال دائماً كما تصفها الأدلة، هناك استثناءات، علاقات، حساسيات، سوابق، قرارات قديمة، وتفاصيل لا تظهر في الوثائق الرسمية، وقد يكون لدى المؤسسة دليل ممتاز، لكنه لا يشرح المنطق وراء الإجراء، ولا يبيّن كيف تتصرف الفرق عندما لا تنطبق الحالة على النص المكتوب.

لذلك، فالمشكلة ليست دائماً في غياب التوثيق، بل في غياب المعرفة التي تفسر التوثيق وتربطه بالواقع، ومن هنا تأتي أهمية تطوير أدوات عملية لحفظ المعرفة، لا بوصفها أرشيفاً جامداً، بل كوسائل تساعد الموظفين على فهم الإجراءات، وسياقها، والاستثناءات المرتبطة بها، فقد تكون الأداة خريطة قرار، أو سجلاً للأخطاء المتكررة، أو قاعدة معرفة داخلية، أو دليلاً يشرح (لماذا نفعل ذلك؟) وليس (ماذا نفعل؟) فقط.

لماذا يكون الخطر أكبر في الشركات الكبرى؟

في الشركات الصغيرة، يكون الاعتماد على الأفراد واضحاً ومكشوفاً، الجميع يعرف أن فلاناً هو من يعرف الحسابات، أو أن فلاناً هو من يدير علاقة المورد الرئيسي، أما في الشركات الكبرى، فيصبح الخطر أكبر لأنه مخفي خلف حجم المؤسسة.

فكثرة الإدارات تعطي انطباعاً بوجود بدائل، والأنظمة التقنية تعطي شعوراً بأن المعرفة موزعة، وطول عمر المؤسسة يجعلها تظن أن الممارسات حتماً لابد أن تكون معروفة للجميع، رغم أنها في الحقيقة لا يعرفها إلا عدد محدود من الأشخاص، ومع الوقت، يتحول الموظف القديم أو المدير الخبير إلى بديل غير معلن عن نظام معرفة مؤسسي.

في البنوك، وشركات الاتصالات، والشركات النفطية، لا ترتبط المعرفة التشغيلية بالكفاءة فقط، بل بالاستمرارية، والامتثال، والسلامة، والثقة، فغياب معرفة معينة قد لا يبطئ إجراءً داخلياً فحسب، بل قد يؤثر في عميل استراتيجي، أو خدمة حيوية، أو التزام رقابي، لذلك، فإن بناء أدوات لحصر المعرفة الحرجة يصبح جزءاً من إدارة المخاطر، وليس مجرد مبادرة تنظيمية جانبية.

أين تختبئ المعرفة الحرجة؟

المعرفة الحرجة لا تكون دائماً في الإدارة العليا، أحياناً تكون عند موظف فني يعرف نظاماً قديماً لا يزال يعمل، أو مشرف تشغيل يعرف سبب تكرار مشكلة معينة، أو مسؤول خدمة يعرف تاريخ عميل مهم، أو موظف امتثال يعرف خلفية إجراء لم يعد أحد يتذكر سبب وجوده.

تختبئ هذه المعرفة في علاقات كبار العملاء والموردين، وفي تفاصيل الأنظمة القديمة، وفي الاستثناءات التشغيلية، وفي طريقة التعامل مع الجهات الرقابية، وفي دروس أزمات سابقة لم تتحول إلى سياسات، وتختبئ أيضاً في القرارات اليومية المتعلقة بالتسعير، والائتمان، والصيانة، والعقود، وخدمة العملاء.

الأخطر أن المؤسسة قد لا تعرف أن هذه المعرفة حرجة إلا عندما تحتاجها ولا تجدها، ولهذا، فإن أول خطوة ليست شراء نظام جديد بالضرورة، بل تشخيص أماكن المعرفة غير المكتوبة، أين توجد؟ من يملكها؟ ما أثر غيابها؟ وكيف يمكن تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام من قبل الآخرين؟

ثقافة (البطل) داخل المؤسسة

هناك مؤسسات تكافئ، من حيث لا تشعر، الشخص الذي يعرف كل شيء ويحل كل مشكلة بنفسه، هذا الموظف أو المدير يكون مفيداً جداً في اللحظة، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى نقطة هشاشة، فكلما زادت أهمية الشخص، زاد ضعف المؤسسة عند غيابه.

لا يعني ذلك التقليل من قيمة أصحاب الخبرة، على العكس، هؤلاء يمثلون أحد أهم أصول المؤسسة، لكن المؤسسة الناضجة لا تسمح بأن تبقى خبرتهم أسيرة لهم، هي لا تلغي دور الخبراء، بل تحوّل خبرتهم إلى معرفة قابلة للنقل، والتدريب، والاختبار، والتطوير.

وهنا قد تحتاج بعض المؤسسات إلى مساعدة خارجية متخصصة، ليس لأن المستشار يعرف أعمالها أكثر منها، بل لأنه يستطيع أن يرى بعين خارجية، غير متأثرة بثقافة المؤسسة، ويستطيع أن ينظم عملية استخراج المعرفة من أصحابها، دون حساسيات، وتحويلها إلى أدوات واضحة، قابلة للتحديث، ومتصلة بالتشغيل الفعلي، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست نقص الخبرة داخل المؤسسة، بل غياب المنهجية التي تحفظ هذه الخبرة وتنقلها.

عندما تتحول المعرفة إلى خطر تشغيلي

المعرفة غير المنقولة لا تضيع فقط عند خروج الموظف، بل تتحول إلى تكلفة متكررة، تظهر في بطء اتخاذ القرار، وزيادة الأخطاء، وتراجع جودة الخدمة، وارتفاع مخاطر الامتثال، وضعف قدرة الفرق البديلة على الاستجابة، وقد تظهر أيضاً في فقدان علاقة مع عميل أو مورد لأن العلاقة كانت مع شخص لا مع مؤسسة.

وفي بعض الأحيان، تعيد المؤسسة ارتكاب الأخطاء نفسها، ليس لأنها لم تتعلم، بل لأنها لم تحتفظ بما تعلمته، كل أزمة لا تتحول دروسها إلى نظام عمل، تبقى مجرد تجربة مؤلمة لا تبني قدرة مؤسسية، ولذلك، فإن أدوات حفظ المعرفة يجب أن تشمل دروس الأزمات السابقة، لا أن تقتصر على الإجراءات اليومية، فذاكرة المؤسسة لا تُبنى من الملفات فقط، بل من قدرتها على تذكر ما حدث، وفهم لماذا حدث، وتجنب تكراره.

المعرفة المؤسسية ليست أرشفة

ليس المطلوب أن تتحول المؤسسة إلى مستودع ملفات لا يقرأها أحد، فالتوثيق وحده لا يكفي إذا لم يكن حياً ومستخدماً ومحدثاً، المعرفة المؤسسية الحقيقية هي المعرفة التي يمكن استخدامها وقت الضغط، لا المعرفة المخزنة في ملف بعيد عن التشغيل.

لذلك يجب أن تكون إدارة المعرفة جزءاً من التدريب، والتسليم، وإدارة المخاطر، وخطط التعاقب الوظيفي، واختبارات الاستمرارية، ويجب ربط المعرفة الحرجة بالوظائف الحرجة والخدمات الحرجة، فالموظف البديل لا يحتاج فقط إلى معرفة الخطوة التالية، بل يحتاج إلى فهم المنطق الذي يقف خلفها.

وقد تكون الأدوات المطلوبة بسيطة في بدايتها، نماذج تسليم مهام أكثر عمقاً، خرائط للقرارات المتكررة، سجلات للاستثناءات، أدلة للأنظمة القديمة، أو جلسات منظمة لاستخلاص خبرة الموظفين قبل انتقالهم أو تقاعدهم، المهم ألا تبقى المعرفة رهينة الذاكرة الشخصية، ولا تتحول إلى وثائق شكلية لا تعيش داخل العمل اليومي.

ما الذي يجب أن تسأله الإدارة اليوم؟

السؤال ليس، هل لدينا سياسات مكتوبة؟ بل، هل نستطيع العمل إذا غاب أصحاب المعرفة؟

على مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية أن تسأل، من هم الأشخاص الذين يشكل غيابهم خطراً مباشراً على التشغيل؟ ما العمليات التي تعتمد على معرفة غير مكتوبة؟ هل نعرف لماذا صممت بعض الإجراءات، أم نطبقها بحكم العادة؟ هل لدينا بدلاء حقيقيون، أم أسماء موضوعة على الورق؟ وهل تنتقل المعرفة قبل التقاعد أو النقل أو الاستقالة، أم نبدأ البحث عنها بعد فوات الأوان؟

إدارة المعرفة ليست مشروع موارد بشرية، بل مسؤولية قيادية مرتبطة بالحوكمة، والاستمرارية، والثقة.

الشركة التي تتعلم هي الشركة التي تصمد

ليست المشكلة أن تعتمد المؤسسة على أصحاب الخبرة، المشكلة أن تبقى خبرتهم محصورة فيهم، فالشركات الكبرى لا تحتاج فقط إلى أنظمة أقوى، بل إلى ذاكرة أقوى، ذاكرة تعرف كيف اتخذت القرارات، ولماذا صممت الإجراءات، وكيف تمت إدارة الأزمات السابقة، وما الذي يجب ألا يتكرر.

في عالم سريع التغير، تصبح المعرفة المؤسسية جزءاً من المرونة، والشركة التي تحفظ معرفتها، وتطور أدوات استخدامها، وتحوّل خبرة أفرادها إلى قدرة جماعية، تكون أقدر على الاستمرار عندما تتغير الظروف أو يغيب الأشخاص.

والسؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة ليس فقط، من يعرف كيف نعمل؟ بل، هل تعرف المؤسسة نفسها كيف تعمل إذا غاب هؤلاء الأشخاص؟

* الشريك المدير

دوتسلينك للاستشارات

back to top