في ميزان المعنى: القيادة في الغموض
في أحد اللقاءات الحوارية التي جمعتني بالأستاذ غياث هواري، وهو استشاري متخصص في استراتيجيات القيادة، دار بيننا حديث عميق حول مفهوم «القيادة في الغموض»، وكيف أصبحت هذه الفكرة من أكثر التحديات حضوراً في عالم اليوم، ليس فقط في السياسة والاقتصاد، بل حتى في العمل الإنساني والاجتماعي والمؤسسي.
كان الحديث يدور حول سؤال جوهري: كيف يقود الإنسان الآخرين بينما الصورة غير مكتملة؟
ففي الماضي، كانت المؤسسات تتحرك في بيئات أكثر استقراراً؛ الخطط طويلة الأمد، والمتغيرات أبطأ، والقرارات تُبنى على معطيات واضحة نسبياً، أما اليوم فالعالم يتحرك بسرعة مختلفة، تتغير فيه الظروف قبل أن تكتمل التحليلات، وتظهر فيه الأزمات بصورة مفاجئة، وتتبدل فيه الأولويات باستمرار.
ومن هنا برز مفهوم «القيادة في الغموض»، فالقيادة لم تعد تعني فقط القدرة على الإدارة والتنظيم، بل أصبحت تعني القدرة على اتخاذ القرار وسط نقص المعلومات، والمحافظة على توازن المؤسسة رغم تغيّر الظروف، وطمأنة الفرق في اللحظات التي يكثر فيها القلق والضباب.
وفي تقديري، فإن أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض القادة هو انتظار وضوح الصورة بالكامل قبل التحرك، لأن بعض المراحل لا تمنحك رفاهية اليقين الكامل، بل إن كثيراً من الفرص تضيع بسبب التردد، وكثيراً من المؤسسات تتعطل لأنها تنتظر «اللحظة المثالية» التي قد لا تأتي أبداً.
لكن هذا لا يعني التسرع أو العشوائية، فالقيادة في الغموض لا تقوم على المغامرة غير المحسوبة، وإنما تقوم على وضوح الغاية مع مرونة الوسيلة، وعلى امتلاك القدرة على التكيف وإعادة قراءة المشهد كلما ظهرت معطيات جديدة.
ومن أهم متطلبات هذا النوع من القيادة: الهدوء النفسي، والقدرة على تحليل المتغيرات، والمرونة الفكرية، وسرعة التعلم، وبناء فرق تستطيع العمل حتى في البيئات غير المستقرة، كما تحتاج إلى قائد لا يخشى مراجعة قراراته، لأن التعديل أحياناً دليل نضج لا دليل ضعف، وفي المقابل، فإن الغموض يحمل مخاطر حقيقية إذا أُدير بطريقة خاطئة؛ فغياب التواصل يولد القلق، والتردد يستهلك المؤسسات، والانفعال في لحظات الضباب قد يقود إلى قرارات مكلفة، ولهذا فإن القائد في أوقات الغموض لا يحتاج فقط إلى مهارة القرار، بل يحتاج أيضاً إلى مهارة «صناعة الطمأنينة» داخل المؤسسة.
لكن اللافت في الأمر أن الغموض لا يحمل المخاطر وحدها، بل يحمل الفرص أيضاً، فكثير من الابتكارات الكبرى، والتحولات المؤثرة، والنجاحات الاستثنائية، وُلدت في لحظات لم تكن فيها الرؤية واضحة بالكامل، لأن البيئات المتغيرة تفتح المجال للأفكار الجديدة، وتمنح المؤسسات المرنة فرصة للتقدم على المؤسسات الجامدة.
ولهذا، فإن بعض القادة لا ينتظرون اختفاء الضباب بالكامل، بل يتعلمون كيف يتحركون بحكمة داخله.
وفي نهاية الحوار، بقيت فكرة مهمة عالقة في ذهني: أن القيادة الحقيقية لا تُختبر عندما يكون الطريق واضحاً، بل عندما تختفي أجزاء من الطريق، ويبقى على القائد أن يحافظ على الاتجاه، والثقة، والقدرة على الاستمرار.
في ميزان المعنى:
الناس لا يحتاجون دائماً إلى قائد يملك كل الإجابات، بل يحتاجون إلى قائد يمنحهم الثقة حتى في أكثر اللحظات غموضاً.