«خبيئة هليوبوليس»... أول أثاث جنائزي يكشف أسرار مدينة الشمس

• مرآة نحاسية ومكاحل وأقراط ذهبية أبرز محتويات مقبرة «بانحسي»

نشر في 21-06-2026 | 15:40
آخر تحديث 21-06-2026 | 15:40

أزاحت أعمال الحفائر الأثرية الجارية بمنطقة آثار المطرية في ضاحية «عين شمس» بالقاهرة الستار عن كشف جديد يضيف فصلاً مهماً إلى تاريخ مدينة هليوبوليس القديمة، بعدما نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في العثور على خبيئة أثرية فريدة داخل موقع مقبرة «بانحسي»، تضم أول أثاث جنائزي شبه متكامل يتم اكتشافه بالمنطقة ذات الطابع الشعبي، إلى جانب مجموعة من اللُقى النادرة وأقراط معدنية يُرجح أنها مصنوعة من الذهب.

وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، أكد أن المكتشفات الجديدة تعكس نجاح جهود البعثات الأثرية المصرية في إعادة قراءة التاريخ الحضاري لمدينة هليوبوليس (مدينة الشمس)، إحدى أقدم وأهم المدن الدينية في العالم القديم، مشيراً إلى أن نتائج الحفائر تسهم في تقديم صورة أكثر وضوحاً عن حياة سكان المنطقة وممارساتهم الجنائزية عبر عصور تاريخية متعاقبة.

وجاء الكشف خلال أعمال التنقيب بموقع مقبرة «بانحسي»، حيث عثرت البعثة على دفنة مشيّدة بالطوب اللبن تضم بقايا عظام آدمية، قبل أن تقود أعمال الحفر العلمي الدقيق أسفلها إلى اكتشاف خبيئة أثرية احتوت على مجموعة مميزة من أدوات الزينة واللقى الرمزية المرتبطة بالطقوس الجنائزية.

أدوات نادرة

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار هشام الليثي، أن الخبيئة ضمت مرآة من النحاس، ومكحلتين من مرمر الألباستر ما زالتا تحتفظان ببقايا من مادة الكحل الأصلية، إلى جانب مكحلة ثالثة مصنوعة من حجر الأوبسديان الأسود، الذي يُعد من الأحجار النادرة في مثل هذه السياقات الأثرية.

كما عثرت البعثة، برئاسة قطب فوزي رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، على إناءين من الفيانس ذي اللون الأزرق الفاتح، احتوى أحدهما على ستة جعارين رمزية تحمل نقوشاً غائرة، من بينها جعرانان محاطان بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه من الذهب.

تمائم ذهبية

فيما أشار رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار محمد عبدالبديع، إلى أن المكتشفات شملت أيضاً مجموعة من التمائم المصنوعة من الفيانس بأشكال رمزية متنوعة، بينها تميمة على هيئة بطة وأخرى على شكل تاج الأتف (تاج أبيض مصنوع من الريش لإله مصر القديمة أوزوريس)، فضلاً عن أربعة أحجار يُعتقد أن اثنين منها من حجر العقيق، أحدهما أحمر وردي اللون ومحاط بإطار معدني أصفر يُرجح أنه من الذهب، والآخر أخضر لازوردي.

وضمت الخبيئة كذلك مجموعة متميزة من الأقراط المعدنية الصفراء اللون، تتكوّن من خمسة أزواج بأحجام مختلفة تتراوح أقطارها بين 1.5 و2.5 سنتيمتر، ويُرجح أنها مصنوعة من الذهب، ما يمنح المكتشفات قيمة أثرية وفنية كبيرة.

اكتشافات سابقة

ويمثل الكشف الجديد امتداداً لنتائج أعمال التنقيب السابقة بالموقع خلال الموسم الحالي، التي أسفرت عن العثور على بقايا منشآت جنائزية مشيدة بالطوب اللبن والحجر الجيري، إضافة إلى تابوتين عُثر عليهما في هيئة أجزاء متراكمة، أحدهما من الفخار والآخر من الجص ذي الطابع المذهب والمزين بنقوش حمراء.

كما احتوى التابوت الثاني على رفات مذهبة يُعتقد أنها تعود إلى شخصية عسكرية، إلى جانب عملة معدنية ربما ترجع إلى العصر الروماني، فضلًا عن كتل من الحجر الجيري تحمل كتابات هيروغليفية تسهم في فهم التسلسل الزمني والحضاري للموقع.

أهمية تاريخية

وتنبع أهمية هذا الكشف من المكانة الخاصة التي تحتلها جبانة مقبرة «بانحسي»، إذ تمثل سجلاً أثرياً حياً يوثق المراحل الزمنية المختلفة التي مرت بها المنطقة، حيث استُخدمت لدفن شخصيات مرموقة منذ العصور المتأخرة مروراً بالعصر الروماني وحتى العصور المسيحية.

ويُعد الموقع جزءاً من جبانة هليوبوليس العظيمة، أو مدينة «أون» القديمة، التي كانت المركز الديني الرئيسي لعبادة إله الشمس «رع».

ومن ثمّ فإن المكتشفات الجديدة لا تضيف فقط قطعاً أثرية نادرة إلى سجل الآثار المصرية، بل تفتح نافذة جديدة لفهم التطور العقائدي والاجتماعي والممارسات الجنائزية لسكان واحدة من أقدس مدن مصر القديمة عبر آلاف السنين.

back to top