اليورو... العملة الموحدة في اختبار البقاء

نشر في 20-06-2026
آخر تحديث 20-06-2026 | 18:36
اليورو في اختبار البقاء
اليورو في اختبار البقاء

قبل ربع قرن، بدا اليورو كأنه أعظم مشروع اقتصادي وسياسي شهدته أوروبا الحديثة. عملة واحدة توحّد عشرات الملايين من المواطنين، وتربط اقتصادات متباينة تحت سقف نقدي مشترك، وتُرسّخ حلم القارة الأوروبية في التكامل والاستقرار.

لكن خلف هذا الإنجاز التاريخي، كانت هناك أسئلة مؤجلة لم تُجب عنها المؤسسات الأوروبية بشكل حاسم: ماذا يحدث إذا غرقت دولة عضو في الديون؟ ومن يتحمل كلفة الإنقاذ عندما تهتز الأسواق؟ وهل يمكن لاتحاد نقدي أن ينجو طويلاً من دون اتحاد مالي متكامل؟ 

دورة الأزمات

هذه الأسئلة تعود بقوة في كتاب «دورة الأزمات: تحديات وتطور ومستقبل اليورو»، الذي يقدّم قراءة نقدية لمسيرة العملة الأوروبية الموحدة منذ إطلاقها عام 1999 حتى اليوم.

ويرى مؤلفوه أن اليورو لم يخرج من أزماته المتلاحقة أكثر قوة كما يعتقد كثيرون، بل أصبح أكثر هشاشة من الناحية المؤسسية، بعدما تحولت الحلول المؤقتة التي صُممت لمواجهة الطوارئ إلى جزء دائم من بنيته التشغيلية.

يشارك في تأليف الكتاب ثلاثة أسماء تجمع بين النظرية الاقتصادية والخبرة العملية. الاقتصادي الأميركي جون كوكرين، الباحث البارز في مؤسسة هوفر وصاحب نظرية «الأساس المالي لمستوى الأسعار»، يقدّم الإطار الفكري والتحليلي. 

أما لويس غاريكانو، أستاذ السياسات العامة في كلية لندن للاقتصاد والبرلماني الأوروبي السابق، فيتناول الأبعاد السياسية والاقتصادية. ويضيف كلاوس ماسوش، الذي أمضى مسيرته المهنية داخل البنك المركزي الأوروبي وشارك في مفاوضات برنامج إنقاذ اليونان، رؤية داخلية نادرة لكيفية اتخاذ القرارات خلال الأزمات.

تشريح الأسس

يبدأ الكتاب بتشريح الأسس التي قام عليها اليورو عند تأسيسه. فقد مُنح البنك المركزي الأوروبي تفويضاً واضحاً ومحدداً يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية، مع حظر شراء الديون الحكومية بشكل مباشر. 

كما أُخضعت الدول الأعضاء لقواعد مالية صارمة من خلال «ميثاق الاستقرار والنمو»، الذي وضع حدوداً للعجز المالي والدين العام، بينما نصت معاهدات الاتحاد الأوروبي على مبدأ «عدم الإنقاذ»، أي عدم تحمل دولة عضو أعباء دولة أخرى.

وكان الهدف من هذه القيود منع الحكومات من الإفراط في الاقتراض اعتماداً على احتمال تدخل البنك المركزي لإنقاذها لاحقاً.

لكن التصميم الأصلي، بحسب المؤلفين، تضمن ثغرات جوهرية لم تبدُ خطيرة في ذلك الوقت. فلم يكن هناك إطار منظم لإعادة هيكلة الديون السيادية أو إعلان تعثر الحكومات.

كما سُمح للبنوك بحيازة كميات ضخمة من السندات الحكومية واعتبارها أصولاً خالية من المخاطر، ما أدى إلى تركيز انكشافها على الديون السيادية. إضافة إلى ذلك، لم يكن هناك صندوق أو آلية مالية مشتركة قادرة على تقديم دعم سريع للدول التي تواجه ضغوطاً مؤقتة في الأسواق.

ظروف فكرية وسياسية

ويرى المؤلفون أن هذه النواقص لم تكن نتيجة إهمال، بل كانت انعكاساً للظروف الفكرية والسياسية التي سادت في تسعينيات القرن الماضي، حين كان الاعتقاد السائد أن الاقتصادات المتقدمة لن تواجه أزمات ديون سيادية كتلك التي شهدتها الأسواق الناشئة.

لكن التحديات بدأت في الظهور مبكراً. ففي مطلع الألفية الجديدة، تجاوزت فرنسا وألمانيا الحدود المسموح بها للعجز المالي من دون أن تتعرضا لعقوبات فعالة، وهو ما وجّه ضربة قوية لمصداقية القواعد المالية الأوروبية.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ الانضباط المالي الذي أراده مؤسسو اليورو يفقد جزءاً مهماً من قوته الردعية. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 لتكشف هشاشة النظام بصورة أكبر.

في مواجهة اضطرابات الأسواق، وسّع البنك المركزي الأوروبي عمليات الإقراض للبنوك وقبل ضمانات أكثر خطورة، كان جزء كبير منها عبارة عن سندات حكومية.

ووفقاً للمؤلفين، أدى ذلك عملياً إلى توفير تمويل غير مباشر للحكومات عبر النظام المصرفي.

الديون السيادية الأوروبية

غير أن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع أزمة الديون السيادية الأوروبية بين عامي 2010 و2012.

وجدت منطقة اليورو نفسها أمام احتمال انهيار مالي واسع النطاق، في ظل غياب مؤسسة مالية قادرة على لعب دور المقرض الأخير للحكومات. عندها اضطر البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل بصورة غير مسبوقة.

ويصف الكتاب تعهّد رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك، ماريو دراغي، بفعل «كل ما يلزم» لحماية اليورو بأنه اللحظة الفاصلة في تاريخ العملة الموحدة.

صحيح أن هذا التعهد نجح في تهدئة الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض، لكنه في الوقت نفسه غيّر قواعد اللعبة التي تأسس عليها الاتحاد النقدي.

من وجهة نظر المؤلفين، أصبحت الأسواق مقتنعة بأن البنك المركزي لن يسمح بانهيار أي حكومة عضو، ما قلّص الضغوط التي كانت تفرضها أسعار الفائدة على الحكومات ذات المديونية المرتفعة.

برامج التيسير الكمي

وتعمّق هذا الاتجاه خلال السنوات اللاحقة مع توسع برامج التيسير الكمي، التي يقوم فيها البنك المركزي بشراء السندات الحكومية والأصول المالية لضخ السيولة وخفض تكاليف التمويل.

ومع جائحة كورونا، تحولت هذه البرامج من أدوات استثنائية إلى جزء شبه دائم من السياسة النقدية الأوروبية.

ويطرح الكتاب فكرة محورية يطلق عليها اسم «دورة الأزمات». فكل أزمة تدفع السلطات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تمنع الانهيار الفوري، لكن هذه الإجراءات نفسها تخلق حوافز جديدة تزيد من احتمالات وقوع أزمات مستقبلية. وهكذا تدخل منطقة اليورو في حلقة متكررة من الأزمات والتدخلات والاعتماد المتزايد على الحلول الطارئة.

مخاطر أخلاقية

ويشرح المؤلفون هذه الظاهرة من خلال مفهوم «المخاطر الأخلاقية». فعندما تدرك الحكومات أن البنك المركزي سيتدخل إذا ارتفعت عوائد سنداتها إلى مستويات خطيرة، يتراجع الحافز للحفاظ على أوضاع مالية منضبطة.

وعندما تعلم البنوك أن السندات السيادية ستظل مدعومة ضمنياً من السلطات النقدية، فإنها لا تجد سبباً قوياً لتنويع محافظها الاستثمارية.

وحتى المستثمرون يصبحون أقل ميلاً إلى معاقبة الحكومات المفرطة في الاقتراض عبر المطالبة بعوائد أعلى، لأنهم يفترضون مسبقاً وجود شبكة أمان أوروبية.

ويحذر الكتاب من أن هذه الديناميكية تجعل النظام أكثر هشاشة مع مرور الوقت، حتى وإن بدا مستقراً على السطح.

ويستشهد المؤلفون بارتفاع الدين العام في إيطاليا وتدهور المؤشرات المالية في فرنسا باعتبارهما مثالين على المخاطر الكامنة التي لا تزال تهدد منطقة اليورو.

مقترحات إصلاحية

وفي الجزء الأخير، ينتقل الكتاب من التشخيص إلى تقديم مقترحات إصلاحية يعتبرها ضرورية لضمان استدامة العملة الموحدة:

مقترحات لاستدامة اليورو

المقترح الأول:

حول إنشاء مؤسسة مالية أوروبية أكثر قدرة على تقديم دعم مؤقت للدول التي تتعرض لضغوط في الأسواق، على أن يكون هذا الدعم مشروطاً بإجراءات إصلاحية واضحة.

والهدف من ذلك هو تخفيف العبء عن البنك المركزي الأوروبي ومنعه من أداء أدوار مالية تتجاوز مهمته الأصلية.

المقترح الثاني:

يتمثل في إنشاء آلية موثوقة لإعادة هيكلة الديون السيادية، بحيث يبقى احتمال التعثر أو إعادة الجدولة قائماً، بما يعيد الانضباط إلى سلوك الحكومات والمستثمرين على حد سواء.

ويرى المؤلفون أن غياب هذا الخيار شجع على تراكم الديون بدلاً من معالجتها في مراحل مبكرة.

المقترح الثالث:

إصلاح القواعد التنظيمية للقطاع المصرفي لكسر الحلقة المفرغة التي تربط البنوك بالحكومات. فحين تمتلك البنوك كميات ضخمة من سندات دولها، يتحول أي تدهور في الوضع المالي الحكومي إلى تهديد مباشر للاستقرار المصرفي.

ومن ثم، يدعو الكتاب إلى إلزام المؤسسات المالية بتنويع حيازاتها من الديون السيادية والتعامل مع السندات الحكومية باعتبارها أصولاً تحمل مخاطر حقيقية وليست خالية من المخاطر.

خياران غير مناسبين

في الوقت ذاته، يرفض المؤلفون خيارين يريان أنهما غير مناسبين: الأول هو الاتحاد المالي الكامل الذي ينقل صلاحيات مالية واسعة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والثاني هو إصدار سندات أوروبية مشتركة بشكل غير مشروط. وبدلاً من ذلك، يقترحون نموذجاً وسطياً يجمع بين السيادة المالية الوطنية والانضباط المؤسسي وآليات الدعم المحدودة والمشروطة.

ورغم قوة الطرح، يعترف المؤلفون بأن تطبيق هذه الإصلاحات يواجه عقبات سياسية كبيرة، لأن الجهات المطلوبة لتنفيذ التغيير هي نفسها من أكثر المستفيدين من الوضع القائم. كما أن التجارب السابقة تشير إلى أن القادة الأوروبيين يفضلون غالباً الحلول السريعة خلال الأزمات على الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل.

في المحصلة، يقدم «دورة الأزمات» قراءة عميقة ومتماسكة لأحد أهم المشاريع الاقتصادية في العصر الحديث. فالكتاب لا يشكك في أهمية اليورو أو إنجازاته، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة العملة الأوروبية على الاستمرار بالاعتماد على الأدوات الحالية.

وبينما نجح اليورو في تجاوز كل اختبار واجهه حتى الآن، يرى المؤلفون أن بقاءه مستقبلاً لن يعتمد فقط على قدرته على النجاة من الأزمات المقبلة، بل على استعداد أوروبا لمعالجة نقاط الضعف البنيوية التي تراكمت داخله على مدى أكثر من ربع قرن.

back to top