جنون سلطة... وهذيان مجلس… وغوغاء تابعين

نشر في 20-06-2026 | 16:44
آخر تحديث 20-06-2026 | 16:46
 د. محمد لطفـي

 

 

مازال يوم 11 يونيو يعصف بنثار الذكرى السادسة والعشرين لرحيل المقبور الأرعن حافظ الأسد، وسورية الحبيبة تقطر دماً من آثامه وجرائم ابنه المأفون الأحمق بشار الأسد.

كنت يوم جنازة الجزار الأسد (الأب) أراقب شاشة التلفزيون السوري تصور مسيرات حزبية استعراضية مضللة وهي تنعى الفقيد، غير المأسوف عليه، أربعين يوماً متواصلة، وأنا أحتقن الساعة بعد الساعة من شدة المعاناة، لما أراه من أقنعة استغباء وعبارات تملق.

ضبطت مشاهد لضجة استثنائية داخل مبنى مجلس الشعب الخانع حينئذ... رأيت «جوقة للنفاق» متلبسة بتزييف حب رئيس، وإدمان عبودية.

شاهدت شاشات الفضائيات متشحة بالسواد، وهي تحاول جاهدة إخراج مسرحية «لمنظمات مؤدلجة تذوب حباً في جلادها»، كان يود أن يتوب، فمات وهو يتمتم، لاعناً احتضاره وهم يدعون أن تُغفر له جرائمه وخياناته.

وسط موقد الحمى.. رأيت جنونهم به يلتهب وانتظارهم لهبوب رياح جديدة لن ينتهي. ضبطتهم متلبسين بالهذيان أمام الأقمار الاصطناعية ووهم حضوره الأخير، بينما ذكراه أمام أعينهم وهو مشغول بقطف وردة وزرع أشواك كثيرة.

ما هذا الجنون المفروض الذي سيطر على العاصمة، وهي التي عرف عنها كيف تحتوي أطماع كل الرؤساء السابقين وتذيب كل موارد المدن الأخرى بمركزيتها المتغطرسة؟! شاهدت حاقداً مقنعاً يمزق زينة عيد المولد النبوي ويلصق أوراق النعوات على الأبواب ويختم بالشمع الأسود عيون الأطفال المتطلعة إلى الحرية، ويأمر الناس بأن يقبلوا أيادي العائلة الحاكمة، ويتوجوا النجل الأكبر رئيساً، من أجل الحفاظ على النظام الأسود المجرم...

لا شيء أكثر مهانة لزعيم من الصفعة التي لا ترد.

لا شيء أكثر هواناً لجيش تسحب أرضه من تحت قدميه وهو يحمل البندقية.

لا مصاب لشعب أكثر من أن يجبر على مناصرة الطغيان، ويألف القمع في الداخل والهزيمة من الخارج، كما يجبر على تصديق الأكذوبة التي تقول إن زعيمه سيحرره من الخارج قبل أن يفك أصفاده من الداخل.

آه منك أيتها الظروف والمؤسسات المنظمة ولائياً... والمبعثرة إنتاجياً. هل يمكن أن تنطلي تلك الخدعة الإعلامية على الجمهور، وهو يرى أعضاء مجلس الشعب وقد تحولوا إلى «كومبارس» في مسرحية هزلية، يتبارون في النفاق لتوريث الابن، تسبقهم مظاهرات التأييد المأجورة المفروضة المهرولة في الشوارع؟ زرافات حُشدت بالترهيب أو الترغيب، تدفع بها فروع الأمن من كل منظمة ومؤسسة، لتنادي باسم الزعيم الأوحد ولتبايع النجل الأوغد.

وأهازيج محفوظة ترددها البطانة المتخمة لتحصل من وراء ظله الكبير على مكاسب لا تريدها أن تنقطع، واعدة بالولاء، حالمة باستمرارية الثراء، مكرسة كل ما عندها من النفاق المبتذل والتذاكي المكشوف لخدمته.

أحدق في الشارع، فأرى شجرة هرمة تركض خلف الكفن... وسلحفاة تخلع صدفتها وتهرول كأرنب مذعور، وقططاً تراقص الفئران على أوتار بيتهوفن وشوبان، وثعلباً لطيفاً برتبة عماد يختال في الأرض مرحاً.

وها أنا أسبح عكس التيار وحيداً خارج قطيع الأسماك المذعورة لأعود إلى دمشق المكفنة بفلاشات عدسات التصوير وروائح حرق النفايات وظلال الحرائق التي حولت أعلامنا كلها إلى رايات سوداء كمدينة ضربها الطاعون طالعة من أساطير اللعنة وكهوف العصور المنقرضة.

بائع المشانق الذي يمسك بحبل غليظ تحول إلى بائع أزاهير يخرج باليد الأخرى عقد ياسمين.

أكوام القمامة مالت برؤوسها لما مر الموكب، منحنية على الجياع لتسد أفواهاً تفوح منها رائحة الأنين والبكاء المكتوم مذلة وكبرياء... عند المنعطف التقى أحد المسلحين ضبعاً مخيفاً انضم إليه بعدما تعانقا بحرارة...

أغلقت النافذة... أحصيت أعضائي، تلمست بطاقة سفري، وغصات تتردد مني وتقول: لم تعد الغابات ملعبنا.. لم تعد الشطآن مرتعنا...

من يجرؤ أن يقول: إن المجرمين الأسديين يحاولون اقتسام الجوهرة المسروقة؟ من يجرؤ على أن يشهد أن الريح قد سرقت، وأن الشمس أخذت بالاحتضار؟ هذا زمن إعدام العصافير وإطلاق الدبابير لتأكل من جديد، وتتحول ضمن حلقة تطور متردية إلى عفاريت الأساطير...

ولكن لا وألف لا. لن نركع لبشاعتهم... ولن نرضى برؤية الحصان العربي الأصيل يهرول مهاناً مخزياً بعيداً عن براري الضوء، وقد نسي الصهيل... ليرتع في زمن بشع في إسطبل التدجين.

الحمدلله الذي نجانا من هذا النظام المجرم، والأمل معقود على النظام الجديد.

 

 

back to top