الطواف بالكعبة على اليسار... لماذا؟
بعد أن منَّ الله تعالى على الحجاج والمعتمرين بأداء هذه الفريضة العظيمة، وتزودوا منها بزاد يكفيهم العمر كله، لا شك في أنهم رأوا من آيات الله التي بارك بها هذه البقعة المقدسة، كما بيَّن ربنا في قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) (سورة آل عمران - 97).
والآيات منها ما هو معلوم الحكمة ومُشاهد، ومنها ما تخفى على الناس حكمته، ومن هذه الآيات الطواف بالبيت، سواء طواف القدوم أو طواف الإفاضة أو طواف الوداع، فهل تساءلت يوما: لماذا جعل الله الطواف حول الكعبة على اليسار (عكس عقارب الساعة)، رغم أن الظاهر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحب التيامُن في كل شيء؟!
أولا: نحن نطوف بالكعبة على اليسار امتثالا لفعله صلى الله عليه وسلم، الذي قال «خذوا عنّي مناسككم»، وقد أمرنا باستلام الحجر وجعل الكعبة على اليسار ثم الطواف سبعا، وهذا الطواف يتم في عكس اتجاه عقارب الساعة، لأن هذا هو اتجاه الدوران نفسه الذي تتم فيه حركة الكون كله من أدقّ دقائقه (الذرّة) إلى أكبر وحداته (المجرّة).
فالإلكترون يدور حول نفسه، ثم يدور في مدار حول نواة الذرّة في اتجاه الطواف نفسه، اتجاه عكس عقارب الساعة، والذرّات في داخل السوائل المختلفة تتحرك حركة موجية حتى في داخل كل خلية حيّة تتحرك حركة دائرية، وفي الاتجاه نفسه فإن الأرض تدور حول الشمس، والقمر يدور حول الأرض، والمجموعة الشمسية تدور حول مركز المجرة، والمجرة تدور حول مركز تجمُّع مَجرِّي، والتجمع المجرّي يدور حول مركز للكون لا يعلمه إلّا الله، وكل هذه الحركات لها نفس اتجاه الطواف حول الكعبة، أي عكس عقارب الساعة.
ومعلوم أن اتجاهات (الأمام واليمين والأعلى) تمثّل موجب الإنسان، في حين أن (الخلف واليسار والأسفل) هو سالب الإنسان، والكعبة مركز العطاء الرباني، فلأجل أن تتزود من هذا العطاء لا بُدّ أن تتعرّض لها من جهة السالب عندك، حتى يتم شحن مركزك، وهو قلبك وخلايا بدنك، من عطاء الله (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)، أي التزود النافع.
ومن الثابت أن المعاصي في الإنسان تُحدث فيه حالة من الاضطراب النفسي الناتج عن اضطراب ذرّات بدنه كله، في حين أن الطاعات تُحدث فيه نوعا من السكينة والطمأنينة، والطواف بالبيت بهذه الصورة هو بمنزلة شحن كامل لقلب الإنسان أو هو بلُغة العصر (Update) لخلايا جسم الإنسان، أو كأنه إعادة ضبط المصنع للإنسان كما كان أوّل مرة، أي على الفطرة السليمة.
كما أن جعل القلب هو الأقرب للكعبة يتوافق تماماً مع الاتجاه السليم للدورة الدموية في جسم الإنسان، وهي حالة التزود الصحيحة، فيُشحَن القلب ويوزّع على بقية الجسم من هذا الزاد الإيماني النوراني من بيت الله الحرام.
فسبحان من خلق كل شيء وقدّره تقديراً.