رياح وأوتاد: دروس عصرية من الهجرة النبوية

نشر في 18-06-2026
آخر تحديث 17-06-2026 | 20:03
 أحمد يعقوب باقر

على مرّ التاريخ كانت الهجرات البشرية تتم لأسباب معروفة ومتكررة، منها البحث عن الرزق أو الأمن أو النصرة أو مستقبل أفضل، والكويت أيضاً لم تختلف عن العالم، فقد قدمت إليها موجات من المهاجرين منذ نشأتها وقبل اكتشاف النفط فيها وبعده لأسباب مشابهة، وذلك حتى تم تنظيم إجراءات السفر والهجرة، وكذلك كانت هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول «من يؤويني. من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟» (السلسلة الصحيحة). 

فقد هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، وهاجر المسلمون إلى المدينة، وكانت في هجرة النبي الكريم والصحابة دروس يجدر بكل المسلمين دراستها وتأمُّلها وإسقاطها على واقعنا المعاصر.

ففي الأيام الأولى للهجرة آخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين القادمين إلى المدينة والأنصار وتم الاندماج بينهم، وأحبوهم وشاركوهم في أموالهم وبيوتهم، كما قال تعالى «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (سورة الحشر). 

وفي مجتمع المدينة كان الجميع يتمتعون بالمساواة مهما كانت أصولهم، حمزة القرشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وسعد الأنصاري، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب»، (الألباني).

 وعندما كادت تشتعل فتنة وعصبية بين القبائل، نهى، صلى الله عليه وسلم، عنها وقال: «دعوها فإنها منتنة» (البخاري). وعندما عيّر أحد الصحابة رجلاً بأمه قال له النبي «إنك امرؤ فيك جاهلية» (البخاري). 

فمن كانت أمه قرشية ليس بأفضل ممن كانت أمه حبشية أو وافدة. وعندما نقضت قريش العهد وأراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يفتح مكة وضع خالد بن الوليد على رأس إحدى الفرق العسكرية، مع أنه قدم إلى المدينة متأخراً قُبيل الفتح، فلم تمنعه حداثة هجرته من تولّي هذا المنصب، وكان هناك من هو أقدم منه، ومثله كان قادة الجيوش الإسلامية الذين فتحوا بلاد فارس والشام من الذين أسلموا قبيل الفتح أو بعده؛ مثل معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، لأن المعيار كان هو الكفاءة.

وتزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، صفية؛ التي كانت يهودية وليست من بلد النبي، وجعل عتقها صداقها، وأسلمت وأصبحت أمّاً لجميع المؤمنين ولها نفس أحكام أمهات المؤمنين، ولم تكن أقل منزلة من الزوجات القرشيات، ومن المعروف أن الله تعالى أذن للمسلم أن يتزوج من الكتابيات. 

ومن قبيل المساواة والعدالة بين المسلمين كذلك قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «ابن أخت القوم منهم» (البخاري).

وكل ما جاء في الشريعة هو من قيم العدالة والمساواة والإنسانية وتكافؤ الفرص والمعاملة على أساس الكفاءة والعطاء.

back to top