وجهة نظر: التصالح في أسواق المال: سرعة مطلوبة أم ردع منقوص؟

نشر في 18-06-2026
آخر تحديث 17-06-2026 | 18:45
 د. فهد وليد المضف

متى تفقد الغرامة دورها كرادع وتتحول إلى تكلفة محسوبة للمخالفة؟ هذا السؤال يستحق التوقف عنده في أسواق المال، خصوصاً عندما تتعلق المخالفات بنزاهة التداول وثقة المستثمرين.

التصالح التنظيمي أداة معروفة لدى الجهات الرقابية، وله مزايا واضحة، فهو يختصر الوقت، ويجنّب السوق مسارات تقاضٍ طويلة، ويسمح بإغلاق بعض الملفات بسرعة. لكن الإشكالية لا تكمن في التصالح بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه، وحدود الإفصاح المصاحبة له، ومدى قدرته على تحقيق الردع المطلوب.

النقطة الأولى تظهر عندما تكون التسوية المالية قريبة من المكاسب التي تحققت من المخالفة. عندها تصبح الرسالة الضمنية للسوق مقلقة: يمكن تحقيق مكاسب غير مشروعة، ثم تسويتها لاحقاً بدفع مبلغ مالي. هذا المنطق يضعف جوهر الردع، ويحول العقوبة من أداة إصلاح إلى عنصر ضمن حسابات الربح والخسارة.

أما البعد الثاني فيتعلق بالشفافية. ففي بعض حالات التصالح، لا تتضح للجمهور طبيعة المخالفة، أو الأساس الذي تم من خلاله احتساب مبلغ التسوية. هذا الغموض يترك المستثمرين أمام تساؤلات مشروعة: هل كانت العقوبة متناسبة؟ وهل عكست حجم الضرر أو المكاسب المتحققة؟ وهل تم التعامل مع المخالفة بما يحمي عدالة السوق؟

وتبرز الإشكالية الثالثة عند الاكتفاء بالعقوبات المالية. فبعض المخالفات، خصوصاً تلك المرتبطة بالتداول أو استغلال المعلومات أو الإخلال بقواعد الإفصاح، لا تعالجها الأموال وحدها. في مثل هذه الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى عقوبات غير مالية، مثل المنع المؤقت من التداول، أو تقييد تولي مناصب معينة، أو تشديد الرقابة على المخالفين المتكررين.

كما أن الإفراط في التصالح قد يخلق شعوراً بعدم المساواة بين المستثمرين. فصغار المستثمرين قد ينظرون إلى بعض التسويات الكبيرة باعتبارها متاحة لمن يملك القدرة المالية والقانونية على الدخول في مسارات التسوية، بينما يتحملون هم تبعات السوق دون حماية مكافئة. وهذا الشعور، حتى لو لم يكن دقيقاً في كل حالة، يكفي لإضعاف الثقة العامة.

الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي سوق مالي. وإذا ترسخ الانطباع بأن المخالفات يمكن احتواؤها مالياً دون مساءلة كافية، فقد ينعكس ذلك سلباً على جاذبية السوق للمستثمر المحلي والأجنبي.

لذلك، لا ينبغي النظر إلى التصالح باعتباره مشكلة في ذاته، بل باعتباره أداة تحتاج إلى إطار صارم. فالقاعدة الأهم هي أن تكون تكلفة المخالفة أعلى بوضوح من أي مكسب محتمل، وأن يكون الإفصاح كافياً لطمأنة السوق، وأن تستخدم العقوبات غير المالية متى ما تطلبت طبيعة المخالفة ذلك. ولا يتحقق ذلك إلا بربط مبلغ التسوية بحجم المكاسب المتحققة، ودرجة الضرر، وسجل المخالفات السابقة، ودرجة التعاون مع الجهة الرقابية.

فالسوق لا يحتاج فقط إلى إغلاق القضايا بسرعة، بل يحتاج أيضاً إلى رسائل واضحة بأن النزاهة ليست قابلة للتفاوض، وأن الثقة لا تُحمى بالغرامات المالية وحدها.

* أستاذ مشارك في التمويل – جامعة الكويت

back to top