دراسة: هل يصنع الاقتصاد الدائري مستقبل المدن الصحية في الكويت؟
في ظل تسارع الأحداث السياسية والجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الخليج العربي والعالم، تشير التقارير والإحصاءات الاقتصادية الى تأثر المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر بشكل كبير، وخصوصا مع تأثُّر سلاسل الامداد بشكل عام.
وعليه، فإن الاقتصاد الدائري لم يعُد خياراً مستقبلياً فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية وصحية ملحّة، تقدّم فرصاً استثمارية واعدة للمبادرين، كما تسهم في تحقيق التنمية المستدامة التي ترتقي بجودة الحياة.
وبداية، يقوم الاقتصاد الدائري على مبدأ تصميم المنتجات والعمليات الإنتاجية بشكل يتيح إعادة استخدام المواد والموارد باستمرار، والانتقال من نموذج «خذ - اصنع - تخلّص» التقليدي إلى نظام يقوم على التدوير والتجديد، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بمفهوم الاقتصاد الدائري القائم على التدوير والتجديد، ويمثل تحولاً جذرياً نحو الاستدامة. كما يعتمد هذا النظام على إعادة استخدام الموارد، وإصلاح المنتجات، وإعادة التدوير لإبقاء المواد في دورة الإنتاج لأطول فترة ممكنة، مما يقلل من الهدر ويحمي البيئة.
وتشير الدراسات الاقتصادية الى أن من أهم المبادرات والاستراتيجيات العالمية على سبيل المثال ما يلي:
▪ مؤسسة إلين ماك آرثر، حيث توفّر دليلاً شاملاً حول كيفية تصميم منتجات تدوم طويلاً وتفعيل مبادئ الاقتصاد الدائري من خلال 3 مبادئ رئيسية، هي:
1. التفكير في دورة حياة المنتج منذ البداية لتجنّب النفايات.
2. تدوير المنتجات والمواد من خلال تصميم منتجات قابلة للإصلاح، التحديث، وإعادة التدوير بأعلى قيمة ممكنة.
3. تجديد الطبيعة، وذلك بالاعتماد على مواد مستدامة وأنظمة تعيد بناء البيئة.
▪ برنامج الأمم المتحدة للبيئة ويشتمل على سياسات وحلول عملية للتحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك مستدامة من خلال موقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
أما الركائز الأساسية للاقتصاد الدائري، فيمكن إيجازها كالآتي:
o إعادة التدوير والتحديث من خلال التركيز على تحويل النفايات إلى مواد ومنتجات جديدة لتقليل استهلاك المواد الخام.
o إعادة الاستخدام، حيث يتم إطالة عمر المنتجات واستخدامها مرة أخرى أو إعادة توظيفها.
o التصميم المستدام، وذلك عن طريق ابتكار منتجات يسهل تفكيكها، إصلاحها، أو إعادة تصنيعها منذ مرحلة التصميم الأولى.
وقد تبنّت دولة الكويت هذا المفهوم ضمن خططها التنموية، وركزت على تطوير مفهوم المدن الصحية من خلال وزارة الصحة، إدارة المدن الصحية وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، وكذلك «اقتصاد الكربون الدائري»، الذي يشتمل على تقليل الانبعاثات وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، وهو ما يتسق مع أهداف رؤية «كويت جديدة 2035»، والتي تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار، بقيادة القطاع الخاص وتحقيق التنمية المستدامة.
وتعمل الحكومة الكويتية على دمج الاقتصاد الدائري في صميم سياساتها، ومن أبرزها:
1. الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2035، حيث تشتمل على تبنّي الاستدامة الصناعية وتوفير أدوات التمويل لدعم المبادرين.
2. الاستراتيجية البيئية 2040، وتهدف إلى معالجة تغيّر المناخ عبر حلول مبتكرة للاقتصاد الدائري للكربون.
3. الاستراتيجية الوطنية للمدن الصحية (2023- 2030)، وتهدف بشكل أساسي إلى تمكين المدن وتحسين جودة الحياة من خلال دمج الصحة في جميع السياسات المحلية بين القطاعات المختلفة.
4. برنامج عمل الحكومة (2022- 2026)، ويتضمن بوضوح العمل على زيادة وتطوير عدد المدن الصحية، وتنفيذ استراتيجية التحول إلى اقتصاد دائري للكربون.
من جانب آخر، فإن المدن الصحية في الكويت، هي مبادرة وطنية بالتعاون بين وزارة الصحة، وإدارة مكتب المدن الصحية، ومنظمة الصحة العالمية، وتهدف المبادرة إلى تحسين جودة الحياة من خلال تعزيز الصحة العامة، والتنمية المستدامة، وتوفير بيئة آمنة وصحية للسكان. ويشتمل البرنامج على مجموعة من المعايير، مثل جودة الهواء والمياه، التخطيط الحضري الذكي، المساحات الخضراء، والمشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار.
ولقد انضمت الكويت إلى برنامج منظمة الصحة العالمية للمدن الصحية عام 2014 وبدأت بتنفيذه في 21 منطقة، وحالياً هناك 10 مدن منها حصلت على الاعتماد الكامل.
ويرتكز مفهوم المدن الصحية على مثلث متساوي الأضلاع كما في الشكل التالي:
فالمبدأ الأساسي للمدن الصحية هو تعزيز واستدامة الخدمة المجتمعية في المنطقة بشكل عام، علما بأن الإشراف العام عن طريق مجلس المحافظة بشكل جوهري.
وسجلت هذه المبادرة نتائج ملموسة، منها انخفاض بنسبة 0.5 بالمئة في سمنة الأطفال بمنطقة اليرموك الصحية، وانخفاض حالات الربو غير المسيطر عليه في منطقة العديلية الصحية، كما تشير بيانات وزارة الصحة.
ويتمثل الهدف في تحسين الصحة من خلال توفير مياه نظيفة وبيئة خالية من التلوث وشوارع نظيفة ومرافق صرف صحي وخدمات صحية وتعليمية وبيئية جيدة.
ويلتقي الاقتصاد الدائري والمدن الصحية في تحقيق أهداف مشتركة للتنمية المستدامة، منها على سبيل المثال:
o أن إدارة النفايات تساعد على الحد من الأمراض، حيث أكدت منظمة الصحة العالمية أن المدن الصحية تطبّق أنظمة كفؤة لإدارة النفايات تحمي الصحة العامة وتحُد من التلوث، كما يتماشى ذلك مع الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات 2040، والتي وضعتها الهيئة العامة للبيئة بالتعاون مع الخبراء الألمان، وتهدف الاستراتيجية إلى تقليل الاعتماد على المطامر الخاصة بالنفايات الصلبة وزيادة إعادة التدوير.
o كما أن تحويل النفايات إلى قيمة اقتصادية ممكن، حيث أكدت الدراسات أن 76 بالمئة من نفايات الكويت قابلة للتدوير، ويمكن أن تدر عائدات سنوية تصل إلى 134 مليون دولار من بيع المواد الخام المعاد تدويرها.
كذلك، فإن مشروع أغريفيج (Agrivage)، وهو مبادرة بيئية كويتية شبابية تهدف إلى حماية البيئة عبر إعادة تدوير مخلفات الطعام وتحويلها إلى أسمدة عضوية غنية للتربة، ويعكس هذا المشروع كيف يخلق الاقتصاد الدائري فرصاً اقتصادية ويعزز الاستدامة.
o ومن خلال تحسين جودة الهواء والحد من الانبعاثات، فقد أحدثت التطبيقات الميدانية، مثل إعادة تأهيل الحدائق وتحويل المرافق المهجورة في مناطق اليرموك والعديلية والشعب، فارقاً ملموساً في تحسين البيئة المحلية وخفض الملوثات.
o كما تساعد الحكومة على دعم الاقتصاد المحلي عبر المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث يؤدي الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في تمويل هذه المشاريع، وتشجيع المبادرين في قطاعات إعادة التدوير والطاقة المتجددة والخدمات البيئية.
كذلك، فإن مشاريع مثل مصانع إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم، حيث تعززت هذه الجهود من خلال توفير فرص عمل محلية وتخفض التكاليف البيئية، وهو ما يترجم الاستراتيجية الوطنية على أرض الواقع.
ولعل تعاون شركة أسمنت الكويت بشكل وثيق مع بلدية الكويت ووزارة المالية في مشروع استراتيجي لتحويل النفايات الصلبة إلى وقود جاف بديل (RDF) ويهدف هذا المصنع، الواقع في منطقة الشعيبة الصناعية الشرقية، إلى استخدام النفايات كطاقة بديلة لأفران الكلنكر، دعماً للاقتصاد الدائري وتقليل المرادم.
وختاماً، فإن المضي قُدماً في تطبيق الاقتصاد الدائري بالتزامن مع توسيع مبادرة المدن الصحية هو الاستثمار الأذكى لمستقبل الكويت. هذا المسار يخلق فرصاً استثمارية واعدة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاعات إعادة التدوير والطاقة البديلة والزراعة الحضرية، ويدعم الابتكار وريادة الأعمال الوطنية. كما يضمن الاستدامة البيئية لأجيال قادمة، ويحول التحديات البيئية إلى فرص للصحة والازدهار، وهو ما نأمله لدولة الكويت في ظل رؤيتها 2035.
* مستشار تطوير وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة