نقلوا قانون الجدّ إلى اللعب... وتركوا الجدّ بلا قانون!
ما أعجب الإنسان! كيف يستطيع أن يعيش في عالمٍ تحكمه الضوابط الاجتماعية والرسميات، فتراه يتحرك وفق قوالب اجتماعية موزونة تفرض عليه ضبط الانفعالات والهدوء والتّعقل والاتزان، لكن، ما إن تبدأ مباراة كرة القدم حتى يضيع هذا الوقار في ثوانٍ معدودة، لتخرج من أعماق هذا العاقل روح المراهق المندفع الذي يصرخ ويقفز، وينسى وقاره مع كل هجمة أو هدف؟!
ولعل ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إدهاشاً أنها لا تستثني أحداً، حتى من يرى نفسه بعيداً عن هذه الدائرة، فأنا لا أجد نفسي مغرماً بمتابعة الكرة بحماس جنوني وأعصاب مشدودة، على الرغم من احترامي لممارسة الرياضة والرياضيين، ولكني كغيري، محاط بمجتمع وأصدقاء ممتعين ومغرمين بمتابعة المباريات الرياضية وكل أخبار الكرة واللاعبين، فقلت لنفسي ذات يوم: «يا ولد» لابد أن أختار فريقاً وأشجعه وأعيش أجواء التشجيع والانتماء الرياضي مع أصدقائي المقرّبين، لأشعر بحلاوة الفوز والخسارة كما يشعرون.
كان في ذلك الوقت نهائي كأس العالم 2006 والمباراة الأخيرة لـ «زيدان» قبل اعتزاله، فاخترت أن أشجع فرنسا لوجود ذلك العربي المحترف، ولكن من يذكر تلك المباراة يذكر المأساة التي عاشها كل جمهور زيدان عندما طُرد في يوم اعتزاله، وعشت هذه الكآبة وشعرت بحسرة وأسى أكثر من اللازم، وكأنني فقدت شخصاً عزيزاً!
فقلت في نفسي مرّة أخرى: «ما الذي دهاك يا رجل؟» ما كل هذه الأعصاب المشدودة؟ وما هذا البؤس والغم الذي حلّ بي؟! فقد تحمست أكثر من أصدقائي! وخرجت عن طوري! فقررت بعدها في نفس اللحظة ألا أتابع أحداً، وأن أرجع لاهتمامي البعيد الخجول للكرة، واعتزلت المباريات بنفس اليوم الذي اعتزل فيه زيدان.
غير أن تلك التجربة القصيرة تركت في ذهني سؤالاً ظل معلقاً: لماذا يتصرف العاقل كالطفل الغضوب حين يتحمس لمتابعة المباريات؟
نحن في الواقع نُفرّغ طاقات وصرخات بداخلنا تحت مسمى التشجيع الرياضي، وهي ظاهرة نفسية مركبة تُعرف في علم نفس الحشود بـ «تلاشي الشخصية الفردية» (Deindividuation). عندما ينخرط الشخص وسط آلاف المشجعين، يذوب وعيه الفردي ومخاوفه من نظرة المجتمع داخل كتلة بشرية كبرى تتحرك بعاطفة صادقة موحدة. ومدرّج الجماهير يوفّر لنا ما يشبه «الإذن الاجتماعي» الذي يبيح للبالغين والعقلاء التخلي عن رصانتهم المعتادة دون حرج؛ إذ يصبح الصخب جماعياً، ويغدو الانفعال العفوي هو اللغة المشتركة للجميع.
وقد تمثل الرياضة المعاصرة بديلاً حضارياً لغرائز متجذرة في العقل البشري، وأبرزها «الانتماء الاجتماعي». فالإنسان يميل بطبعه إلى البحث عن «جماعة» ينتمي إليها ويشاطرها الولاء، فيترجم جهازه العصبي انتصارها انتصاراً شخصياً يرفع من كبريائه وفخره... وهنا تتجلى الفائدة النفسية والاجتماعية الأعمق للرياضة ؛ فهي تعمل «كالمتنفس الحيوي» لتفريغ الشحنات العاطفية والضغوط المتراكمة.
إن أكثر ما يزيد الكرة أهمية أنها تحولت تدريجياً من لهو عفوي إلى نظام عالمي محكم بقوانين صارمة وهيئات دولية، تُدار بجدية تفوق في تنظيمها بعض الأنظمة السياسية. فهي منصة لإثبات الوجود وإبراز قوة الدولة وهويتها - إنها حرب بلا دماء ولا خسائر بالأرواح، يحكمها قانون صارم وتضبطها الصافرات.