المعرفة التي لا تنتقل... تموت
قال لي وهو يتحدث بفخر عن مسيرته وعن كل ما بناه وتعلمه خلال سنوات طويلة، سألته سؤالاً بدا بسيطاً: هل تجد في فريقك من تود أن تورثه هذه الخبرة؟ توقف لحظة ثم قال: «الجيل الجديد لا يصبر، يريد كل شيء بسرعة» ولم يكمل، أما أنا فلم أكن في الحقيقة أسأله عن الجيل الجديد، بل كنت أسأله عنه هو، خرجت من هذا اللقاء وسؤال واحد يرافقني: متى بالضبط يتحول الإنسان من شخص ينتظر أن تفتح له الأبواب إلى شخص يحرص على إبقائها موصدة؟
ليس كل من امتلك الخبرة يريد أن يورثها وينقلها لمن بعده، فبعض الناس لا يرى فيمن يأتي بعده امتداداً له، بل منافساً يقترب من المكان الذي أمضى سنوات طويلة ليصل إليه، لذلك لا يعلم ولا يدعم ولا يمنح الفرصة، بل يقف عند الباب نفسه الذي وقف أمامه يوماً ينتظر أن يفتحه له أحد... ثم يغلقه خلفه!
والغريب أن كثيراً ممن يفعلون ذلك كانوا يوماً في الجهة الأخرى من الباب، يتذكرون جيداً كيف كان الإحباط حين أغلقت الأبواب في وجوههم، وكيف كانت كلمة تشجيع واحدة قادرة على أن تغير نظرتهم إلى أنفسهم، وكيف كان تجاهل أفكارهم أشد قسوة من رفضها.
كانوا يتمنون أن يجدوا من يؤمن بهم، أو يمنحهم فرصة، أو يقول لهم إن الطريق يستحق المحاولة، لكن بعضهم حين وصل لم يتذكر الدرس الذي صنعته تلك التجربة، بل تذكر فقط أن يحتفظ بما وصل إليه.
المؤلم أن تكسير الأجنحة لا يحدث دائماً بالصوت العالي ولا بالرفض المباشر، ففي كثير من الأحيان يأتي في صورة نصيحة مغلفة بالإحباط، أو تشكيك يرتدي ثوب الخبرة.
فيقال للشباب إن الوقت لم يحن بعد، وإن عليه أن ينتظر أكثر، وإن أفكاره تحتاج إلى نضج، حتى يعتاد مع الوقت تأجيل نفسه، ويقتنع بأن الحلم يمكن أن ينتظر إلى أجل غير معلوم.
لكن المجتمعات لا تتقدم بهذه الطريقة، فالحضارات لم تبن لأن جيلاً انتصر على الجيل الذي يليه، بل لأنها آمنت بأن كل جيل يجب أن يبدأ من حيث انتهى من سبقه، فالمعرفة التي لا تنتقل تموت، أما الخبرة التي تورث فهي وحدها التي تتحول إلى أثر يبقى بعد غياب أصحابها.
كسر الأجنحة مهارة سلبية يتقنها البعض، دون أن يدركوا أن كسر جناح واحد لا يؤخر شخصاً واحداً فقط بل ربما الفرص التي سيصنعها والأشخاص الذين سيلهمهم. ولهذا السبب فإن أعظم من يتركون أثراً في الحياة ليسوا أؤلئك الذين احتفظوا بالمقاعد أطول وقت ممكن، بل أولئك الذين غادروها وقد تركوا خلفهم من مهدوا لهم الطريق ليكملوا المسيرة من بعدهم.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل إنسان صغيراً أو كبيراً، هل أنت اليد التي تمتد للآخرين أم أنك أصبحت الباب الذي أغلق خلفه؟