إصلاح على الورق أو عودة للوراء!
معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حين تقرر مؤسسة أن تُصلح مسارها، فإن الاختبار الحقيقي لا يبدأ يوم تصدر اللوائح الجديدة، بل في الأيام التي تليها. فالإصلاح نادراً ما تقاومه النصوص القديمة، فالذي يقاومه هو المتكسب من المصالح القديمة.
في أدبيات الإدارة استعارة معروفة تُسمّى نظرية الحصان الميت، فالعاقل إذا اكتشف أنه يمتطي حصاناً ميتاً نزل عنه ومضى، أما المؤسسة التي تقاوم التغيير فتفعل كل شيء عدا ذلك، تشتري سرجاً جديداً، وتشكّل لجنة، وتستعين بخبراء، وتعيد كتابة التقارير وتفسير الواقع، لكنّها لا تقول إن الحصان قد مات. وهذا تحديداً ما يطرحه ملف الترقيات الأكاديمية اليوم، فلم تأت تعديلات لائحة الترقيات وآلية اعتماد المجلات العلمية في «التطبيقي» ترفاً إدارياً، بل جاءت استناداً إلى نتائج وتوصيات تقرير وزاري، شُكّلت لجنته بعد ما رصدناه ورفعناه من تقارير إلى مكتب سمو رئيس مجلس الوزراء في أكتوبر 2023، والتي وثّقت خللاً معروفاً ومُعلناً واقترحت له حلولاً عملية، فقد أفرزت المرحلة السابقة مشكلات حقيقية في جودة بعض الأبحاث والمجلات التي استخدمت للترقية.
صدر القرار، واعتُمدت اللائحة، وانطلقت آلية اعتماد المجلات، وكان المفترض أن تغلق الصفحة القديمة. غير أنها لم تغلق تماماً. فإذا كانت اللائحة القديمة قد انتهت منذ سنتين، فلماذا يحاول بعضهم العودة إليها، ولماذا تفتح بين حين وآخر نوافذ تعيد إنتاج المشكلات ذاتها؟ والأخطر أن تتحول بعض التظلمات من مراجعة للإجراءات إلى مراجعة لفلسفة الإصلاح نفسها.
التظلم حق أصيل لا خلاف عليه، والعدالة الإجرائية واجب لا تنازل عنه، ولا يجوز أن تحلّ لجان التظلمات محل اللجان الفنية المختصة، ولا أن تكون مساراً موازياً يستعيد عبره بعضهم ما عجزوا عن تحقيقه من خلال القنوات اللائحية، والفرق كبير بين تصحيح خطأ إجرائي وإعادة فتح باب أغلقناه عن قصد، والخطر لا يكمن في حق التظلم ذاته، فهذا حق أصيل لا خلاف عليه، وإنما في أن تتحول بعض لجان التظلمات إلى أداة لإعادة مناقشة ما حسمته اللائحة الجديدة واللجان الفنية المختصة.
فحين يُعاد فتح ملف المجلات العلمية المعتمدة من خلال مسارات لم تنشأ أصلاً لهذا الغرض، فإننا لا نراجع إجراء، بل نعيد إحياء منظومة كاملة سبق أن قررت المؤسسة تجاوزها. والمفارقة أن بعض القيادات التي يُفترض أن تكون الحارس الأول للإصلاح المؤسسي تبدو أحيانا أكثر استعداداً للاستماع إلى دعاة العودة إلى الماضي من استعدادها للدفاع عن إصلاح أقرّته المؤسسة نفسها بعد سنوات من الجدل والتحقيق والتقييم. هنا يطلّ الحصان الميت من جديد، لا من اللائحة الجديدة ولا من لجنة اعتماد المجلات، بل من الحنين إلى منظومة تسوست، وكان تجاوز آثارها على المال العام هو سبب الإصلاح من الأساس.
وليست المشكلة في وجود معترضين، فكل إصلاح حقيقي يولّد مقاومة بطبيعته. المشكلة أن تتحول المؤسسة نفسها إلى ساحة لإحياء ما قررت هي دفنه. فإن انتهت اللائحة القديمة فعلاً، فلا يصح أن تتسلل آثارها عبر استثناءات أو تفسيرات أو مسارات ملتوية، وإن اعتمدت المجلات وفق معايير محددة، فلا يصح أن تصير لجان أخرى طريقاً غير مباشر لتجاوزها. الإصلاح لا يكتمل بإصدار لائحة، بل يكتمل حين نملك الشجاعة لنقول إن الماضي قد انتهى، وإن العودة إليه ليست خياراً مطروحاً. لقد مات الحصان منذ سنوات. والسؤال الذي ما زال بلا جواب: مَن الذي لا يزال يطعمه؟