وهم الدرجات... شهادات بلا مهارات

نشر في 12-06-2026
آخر تحديث 11-06-2026 | 19:54
 د. جاسم الجزاع

في غمرة ممارستي لمهنة التدريس الجامعي، لا يمر عليّ يوم تقريباً دون أن أجد نفسي محاصراً بتساؤلات الطلبة وإلحاحهم المستمر: «دكتور، أبي A!». وحين يتملكني الفضول لأستكشف الدوافع الحقيقية وراء هذا الهوس المستميت بامتياز الدرجة، وأبادرهم بالسؤال عما تعنيه لهم، أصطدم بإجابات صادمة تفتقر لأي واقعية، فمنهم من يعتقد واهماً أن الـ «A» هي مجرد درجة نجاح عادية لا بديل عنها للاستمرار، تخيل! ومنهم من يرى فيها صكاً سحرياً ومفتاح الفرص الوحيد الذي سيفتح له أبواب المستقبل المغلقة، دون أي اعتبار للقيمة العلمية أو المهارية التي يُفترض أن تمثلها هذه الدرجة.

بينما يعيش آلاف الطلاب هذه الأيام تحت وطأة امتحانات الثانوية العامة، يتحول كل بيت إلى ثكنة عسكرية يغلفها القلق والتوتر، فهنا أب يحصي الساعات، وهناك أم تدعو وتراقب، والجميع يترقب تلك اللحظة الحاسمة التي ستحدد بناءً على المفهوم السائد مصير الابن أو الابنة، وهذا المشهد المتكرر سنوياً يعكس حجم الضغط النفسي والاجتماعي المرتبط بالدرجات، حيث اختصرت الأسر طموحها في رقم مئوي أو رمز الـ «A+»، وتحولت فترة الامتحانات من رحلة لتقييم الفهم والجهد إلى معركة وجودية شرسة، يغيب فيها المنطق التربوي ويحضر فيها الخوف من المجهول.

وهذا الحرص المبالغ على تحصيل المجموع المرتفع، دون الالتفات لبناء ثقافة حياتية وفكرية عميقة، قادنا إلى أزمة حقيقية، أزمة الـ «A+» التي أنتجت جيلاً يحفظ الإجابات النموذجية عن ظهر قلب، لكنه يفشل في أول اختبار حقيقي تفرضه الحياة، فلقد تحول التعليم إلى مجرد سباق لتفريغ المعلومات على ورقة الإجابة، واستبدلنا متعة الاستكشاف بآلية «التلقين»، مما أدى إلى خلق جيل مستهلك للمعلومة لا عاقل لها، ويعجز عن التفكير النقدي أو حل المشكلات اليومية، والأسوأ من ذلك، أن هوس المجموع شرعن مع الأسف لبعض الطلاب وأولياء أمورهم استخدام أي وسيلة للوصول للقمة، حتى لو كان ذلك عبر الغش أو الواسطات وحب الخشوم، مما يضرب القيم الأخلاقية في مقتل ويزرع في وعي الشباب أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الشهادة المزيفة أثمن من المعرفة الحقيقية.

لذلك، يتطلب الخروج من هذا المأزق الانتقال فوراً إلى تقييمات تعتمد المشاريع البحثية والتفكير النقدي، مع دمج مساقات المهارات الحياتية كالتواصل وإدارة الأزمات، وتغيير الوعي المجتمعي ليركز على التعلم المستمر والأمانة الأكاديمية بدلاً من هوس المجموع.

* باحث أكاديمي

back to top