«يوم روسيا»... احتفاء بالتاريخ والسيادة والشراكة

نشر في 10-06-2026
آخر تحديث 10-06-2026 | 20:54
No Image Caption

في الثاني عشر من يونيو تحتفل روسيا بعيدها الوطني، «يوم روسيا».

ويخلد هذا التاريخ اعتماد إعلان سيادة الدولة لجمهورية روسيا السوفياتية الاتحادية الاشتراكية قبل ستة وثلاثين عاماً بالضبط، وهو الاسم الرسمي الذي كانت تحمله روسيا خلال الحقبة السوفياتية.

إلا أن تاريخ بلادنا يمتد لأكثر من ألف عام. 

روسيا الحديثة هي الوريث الشرعي لـ«روس الكييفية»، وقيصرية موسكو، والإمبراطورية الروسية، ثم الاتحاد السوفياتي. وتمتد أراضينا عبر آلاف الكيلومترات من بحر البلطيق في أوروبا إلى المحيط الهادئ في أقصى الشرق الروسي، ما يجعل روسيا حضارة فريدة ومتميزة تمتلك تقاليدها الخاصة وإرثها الثقافي الغني وتجربتها التاريخية المتفردة.

وعلى امتداد تاريخها الطويل، واجهت روسيا تحديات جسيمة واختبارات قاسية لا حصر لها، فقد سعى العديد من الغزاة الأجانب، من جحافل المغول في العصور الوسطى إلى الغزاة الأوروبيين، مثل نابليون وهتلر، في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى إخضاع بلادنا. ومع ذلك، لم تكتفِ روسيا بالتصدي لهذه الغزوات، بل أسهمت أيضاً في تحرير شعوب عديدة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية الجارية، تواصل روسيا التصدي للسياسات الغربية الرامية إلى فرض الهيمنة وعزل الدول الأخرى مثل بلادنا. وبالتعاون مع شركائها من الدول ذات التوجهات المتقاربة، ندعو إلى إقامة نظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب يقوم على المساواة الحقيقية والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي، بعيداً عن الإملاءات والمعايير المزدوجة، كما أن مفهوم ما يسمى بـ«النظام الدولي القائم على القواعد»، الذي تروج له الدول الغربية مجتمعة، لا يعكس مصالح دول الجنوب العالمي.

أما فيما يتعلق بالعالم العربي فقد سعت روسيا دائماً إلى بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والثقة والسعي لتحقيق المصالح المشتركة، وينطبق هذا النهج بالكامل على دولة الكويت الصديقة. هذا العام تحتفل روسيا والكويت بالذكرى الثالثة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بيننا. وتربط بلدينا علاقات الصداقة والتعاون – قوية ومتينة أثبتت رسوخها عبر الزمن.

وكانت الكويت أول دولة خليجية عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي عام 1963.

غير أن الاتصالات بين بلدينا تعود إلى فترة أقدم من ذلك، ففي مطلع القرن العشرين قامت سفن البحرية الإمبراطورية الروسية، بما فيها الطراد الأسطوري «فارياغ»، بزيارات ودية للكويت خلال عهد الحاكم المستنير الشيخ مبارك الكبير.

وفي الوقت الحاضر، تنظر روسيا بتقدير كبير إلى السياسات الحكيمة والمتوازنة التي تنتهجها القيادة الكويتية، فقد ظلت الكويت حريصة على تعزيز مصالحها الوطنية مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات متوازنة وبناءة مع مختلف الشركاء الدوليين الرئيسيين، ونتيجة لذلك صمدت العلاقات الثنائية بين بلدينا أمام اختبار الزمن، وحافظت على متانتها بغض النظر عن التغيرات على الساحة الدولية.

ومن الفصول المهمة في تاريخنا المشترك فترة العدوان العراقي على الكويت خلال عامي 1990 و1991، ويقدر الكويتيون الدعم السياسي والدبلوماسي الذي قدمه الاتحاد السوفياتي خلال تلك المرحلة الصعبة، كما كان للبعد الإنساني في هذا الدعم أهمية خاصة، فخلال فترة الاحتلال العراقي لعب متحف الإرميتاج الحكومي الشهير في مدينة سانت بطرسبورغ دوراً محورياً في الحفاظ على التراث الثقافي الكويتي. وقد تم حفظ أعمال فنية إسلامية نادرة وثمينة من مقتنيات المتاحف الكويتية، كانت معروضة في متحف الإرميتاج قبيل الغزو بفترة وجيزة، بعناية فائقة في مستودعات المتحف إلى أن أمكن إعادتها بأمان إلى الكويت.

وعلى الصعيد السياسي، يحافظ بلدانا على حوار منتظم وجوهري، وقد عُقد آخر لقاء بين وزيري خارجية روسيا والكويت في سبتمبر 2025 بمدينة سوتشي، على هامش الاجتماع الوزاري الثامن للحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي ترأسته روسيا والكويت بشكل مشترك.

كما سيشهد هذا العام عدداً من الفعاليات متعددة الأطراف المهمة، إذ سيستضيف شركاؤنا في مجلس التعاون الخليجي الاجتماع الوزاري التاسع للحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون، إضافة إلى ذلك من المقرر أن ينعقد منتدى التعاون الروسي العربي في موسكو خلال شهر سبتمبر، بما يوفر منصة عملية إضافية لتعزيز التعاون بين روسيا والعالم العربي.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن روسيا والكويت، باعتبارهما من كبار منتجي ومصدري النفط في العالم، تجمعهما مصالح متقاربة بصورة طبيعية في قطاع الطاقة، ويتعاونان بشكل وثيق ضمن الأطر الثنائية ومتعددة الأطراف، بما في ذلك إطار «أوبك+»، دعماً للاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.

وفي الوقت نفسه، لا تقتصر فرص التعاون على قطاع النفط والغاز فحسب، فالصادرات الزراعية الروسية تواصل تعزيز مكانها في السوق الكويتي، بما يعكس اهتمام الكويت المتزايد بإقامة شراكات طويلة الأمد في مجال الأمن الغذائي.

كما أصبحت السياحة إحدى الركائز المهمة للعلاقات الثنائية، واليوم تُعد روسيا من أكثر الوجهات الجديدة جذباً للزوار القادمين من منطقة الخليج، ففي عام 2025 زار روسيا نحو 20 ألف مواطن كويتي، وهو ما يعكس الاهتمام المتنامي باكتشاف بلادنا، ويستقطب الزوار ما تتمتع به روسيا من إرث ثقافي وتاريخي غني، وتنوع طبيعي ومناخي فريد، وبنية تحتية حضرية حديثة، ومستويات عالية من الأمن، إلى جانب الأسعار المعقولة.

وقد أصبح السفر إلى روسيا أكثر سهولة بفضل نظام التأشيرة الإلكترونية، الذي يتيح للمواطنين الكويتيين الحصول على التأشيرة عبر الإنترنت خلال أربعة أيام فقط والإقامة في روسيا لمدة تصل إلى شهر واحد. 

وإلى جانب موسكو وسانت بطرسبورغ، اكتسبت مدينة سوتشي الواقعة على ساحل البحر الأسود شعبية خاصة خلال السنوات الأخيرة، فمناخها البحري المعتدل، إلى جانب منتجعاتها الجبلية والساحلية ذات المستوى العالمي، يوفران للزوار الكويتيين فرصاً فريدة لقضاء العطلات الصيفية والشتوية على حد سواء.

كما يشهد تعاوننا العملي في المجالات الثقافية والإنسانية توسعاً مستمراً، ومن أبرز الأمثلة على ذلك النجاح الكبير الذي حققه مهرجان «مواسم موسكو» بالكويت في سبتمبر 2025، والذي عكس بوضوح تنامي اهتمام الجمهور الكويتي بالثقافة الروسية وتقاليدها وأنماط الحياة المعاصرة فيها.

وتواصل التبادلات الثقافية والتعليمية والإنسانية الإسهام في تعزيز شراكتنا وترسيخ التفاهم المتبادل بين شعبينا، وتشكل هذه الروابط أساساً متيناً لمواصلة تطوير العلاقات الروسية الكويتية خلال السنوات المقبلة.

ومع احتفال روسيا بعيدها الوطني فإننا نستذكر تاريخنا بفخر واعتزاز، ونتطلع إلى المستقبل بثقة وتفاؤل، وسنظل ملتزمين بتطوير علاقات الصداقة والتعاون وتبادل المنفعة مع شركائنا، وتحتل الكويت مكانة متقدمة بينهم.

* السفير الروسي لدى الكويت

back to top