هل خسرت إسرائيل الحرب؟

نشر في 10-06-2026
آخر تحديث 09-06-2026 | 21:27
 جاسم السعدون

سجِلّ طويل من معارك رابحة خاضتها إسرائيل مع جوارها الجغرافي، وحتى أبعد من جوارها، وللاستراتيجية الإسرائيلية هدفان، الأول هو تفتيت دول الجوار إلى كانتونات دينية وطائفية وعرقية لكي تلتهي بنفسها، والثاني هو استثمار ذلك التفتت لتحقيق حلمها في استكمال بناء إسرائيل العظمى أو الكبرى، حدودها من النيل إلى الفرات، وربما أبعد.

والثمن الذي دفعه جيرانها حتى اليوم مئات الألوف من القتلى وأضعافهم من الجرحى، وملايين من المهجّرين.

وحكومة اليمين المتطرف، ويدعمها أغلبية الإسرائيليين، أعلنت نيّتها توسعة مساحة احتلالها لغزة إلى 70 بالمئة، وضمّ الضفة الغربية كاملة، وكل الجنوب اللبناني شمال نهر الليطاني وأجزاء من سورية، شاملة مرتفعات الجولان.

عاملان كانا صلب تمكين إسرائيل من تمرير جرائمها من دون حساب، الأول هو الشعور بالذنب لدى الغرب، سواء من الحلفاء المنتصرين، أو الحلفاء المهزومين في الحرب العالمية الثانية، تعويضاً عن خسائر «الهولوكوست»، والثاني، تمكُّن الحركة الصهيونية، يهوداً ومسيحيين، من إيصال القادة هناك إلى سدّة الحكم، سواء بالجزرة، أي التمويل والدعم الإعلامي، أو بالعصا، بتوريطهم في قضايا استخباراتية قذرة، مثال «إبستين»، أو حتى بالاغتيال.

ما حدث منذ 7 أكتوبر 2023، وحتى الحرب الأخيرة التي بدأت في 28 فبراير 2026، أحدث شرخاً لن يعوّض في إمكانية اعتماد إسرائيل في توسّعها، وربما في بقائها، على أي من العاملين المذكورين، الأول الذي فُقدَ هو عامل العصا، أو توريط المسؤولين أخلاقياً بأعمال استخباراتية قذرة، فلن يطول الوقت حتى يفرج عن «وثائق إبستين» ومَن كان خلفها، وربما يمتد الأمر إلى فتح ملفات الاغتيالات ما بين الرئيس جون كينيدي وحتى شارلي كيرك.

وسوف يتآكل، بشكل متسارع، تأثير الجزرة، أو التمويل والإعلام، لأن القادم سوف يجعل الاعتماد عليهما يرتد سلباً على المستفيد، وخصوصاً عندما نفهم من معنى الأرقام الارتفاع في النظرة السلبية حول إسرائيل في دول رئيسية، معظمها ديموقراطية، تتحكم في وصول قادتها إلى السلطة توجهات الرأي العام لديها.

أعلى نسب التحول إلى النظرة السلبية حول إسرائيل حدثت في ثاني أقوى مصادر دعمها وقوتها، أو القارة الأوروبية، وتحديداً الدول الرئيسية ضمنها، ذلك ما يعرض له استبيان صادر في يونيو الجاري عن Pew» Research Center»، وهو من أهم مراكز الأبحاث والاستطلاع في العالم. غطّى الاستبيان 36 دولة حول العالم ضمنها 10 أوروبية، وراوحت نسبة من لديه نظرة سلبية حول إسرائيل بشكل حاد وإلى حد ما فيها بين 78% لأعلاها و54 لأدناها، مقابل مَن ينظر العكس ما بين 32% لأعلاها و15% لأدناها. 

ضمن الدول الأوروبية الرئيسية التي شملها الاستبيان بلغت نسبة النظرة السلبية في إسبانيا 78% مقابل 17% يرون العكس، وإيطاليا 75% مقابل 21%، وألمانيا 73% مقابل 23%، والمملكة المتحدة 69% مقابل 25%، وفرنسا 68% مقابل 24%.

وفي أميركا الشمالية، ورغم أهمية كندا والمكسيك، وفيهما غلبة للنظرة السلبية حول إسرائيل وبحدود 65% مقابل 28% لكندا، و59% مقابل 23% للمكسيك، يظل الداعم التاريخي والأقوى في العالم، هو الولايات المتحدة الأميركية، والتحول في الولايات المتحدة باتجاه غلبة النظرة السلبية هو الأهم والأكثر تأثيراً في المستقبل، ومستوى النظرة السلبية فيها بلغ أخيراً 60% مقابل 37%.

ولعل الأهم هو أن التغير باتجاه النظرة السلبية يتسارع بمرور الوقت، بعدما بات واضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية خُدعَت لتحارب حرب إسرائيل، بينما دفع معظم تكلفتها الاقتصاد الأميركي والمستهلك الأميركي، ومعهما كل دول العالم. ظاهرة مهمة أخرى بإسقاطاتها على المستقبل غير المريح لإسرائيل هي أن الفرق شاسع في تلك النظرة السلبية على المستوى العمري، فمن هم دون الـ 50 عاماً من العمر موقفهم أقوى ضد إسرائيل، مقابل من هم فوق الـ 50 عاماً، أحد الأمثلة حالة المجر، حيث تبلغ النظرة السلبية لمن هم ما بين 18 و34 سنة، 72% مقابل 45% لمن هم فوق الـ 50 عاماً.

ولاستكمال واقع التحول في النظرة السلبية تجاه إسرائيل، لا بُد من تغطية التوجهات في القارة التي سوف تحتضن مستقبل العالم الاقتصادي، أو قارة آسيا، وغطى الاستبيان 12 دولة، وفاقت النظرة السلبية لإسرائيل في 11 دولة ضمنها. وبعيداً عن النظرة السلبية للدول الإسلامية ضمن تلك العينة، والتي راوحت بين 95% لباكستان، و89% لماليزيا، و86% لإندونيسيا، و79% لبنغلادش، كانت تلك النسب مرتفعة لـ 7 من الدول الـ 8 المتبقية، لليابان كانت 83% مقابل 13%، وفي أستراليا 79% مقابل 13%، وفي سنغافورة 72% مقابل 28%، وفي كوريا الجنوبية 70% مقابل 27%، والفلبين 64% مقابل 32%، وفي تايلند 59% مقابل 38%، وفي سريلانكا 41% مقابل 40%، وحدها الهند كانت النظرة السلبية فيها لإسرائيل أدنى وبحدود 28% مقابل 32% لمصلحتها.

وعودة للإجابة عن السؤال عنوان المقالة: هل خسرت إسرائيل الحرب؟»، لا بأس من استعارة لحالة من التاريخ، فجنوب إفريقيا، البلد الأشهر في جريمة الفصل العنصري، مرّت تقريباً بنفس المراحل التي تمرّ بها إسرائيل، الفارق هو أن إسرائيل أكثر عنفاً ضد الفلسطينيين في الداخل، وأوسع وأكثر أذى وتدميراً خارج محيطها الجغرافي.

نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بدأ عام 1910، وتم تقنينه وازداد عنفه عام 1948 مع فوز حزب البيض الوطني وتسلّمه السلطة، وهي السنة نفسها التي نشأت فيها إسرائيل، وحصلت على دعم أميركي من الرئيس هاري ترومان، وهو أول رئيس يعترف بإسرائيل، والواقع أنه قدّم الدعم العسكري لها في احتلالها لناميبيا، وهو التوسع الوحيد لها خارج حدودها، ودعم حربها مع أنغولا المدعومة من كوبا، من أجل الحد من انتشار الشيوعية في إفريقيا.

وكما هي الحال مع الانتفاضات الفلسطينية، قمع البيض في جنوب إفريقيا انتفاضات السود، عندما أطلقت شرطة البيض النار مباشرة على تظاهرة للسود في مدينة شاربفيل عام 1960، وقتلوا 69 وأصابوا 186 متظاهراً، انعقد مجلس الأمن الدولي من أجل جنوب إفريقيا، استخدمت كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا حق النقض (الفيتو) لوقفه. واعتقلت سلطات جنوب إفريقيا زعماء السود وسجنتهم وعذبتهم، وكان نصيب نيلسون مانديلا 27 سنة حبساً وتعذيباً في جزيرة روبن، بينما هرب كثير من الزعماء الآخرين إلى دول مجاورة للعمل منها.

ولم تبدأ بوادر سقوط نظام الفصل العنصري سوى أواخر سبعينيات وفي ثمانينيات القرن الفائت، عندما بدأ التحول المتسارع لتجريم نظام الفصل العنصري فيها من قِبل الرأي العام العالمي مماثلاً تماماً لما يحدث حالياً من تحوّل ضد إسرائيل. وبعد احتجاجات شعبية مناهضة للفصل العنصري في كل من أوروبا والولايات المتحدة، وبعد بداية تفكك المعسكر الشرقي ومعه سقوط مبررات مصدات مواجهة المد الشيوعي، بدءًا من ثورة العمال بقيادة ليخ فاليسا في بولندا، ثم تولي ميخائيل غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفياتي، صدر عن «الكونغرس» الأميركي قرار مشدد يجرّم الفصل العنصري. 

وبحدود عام 1989 أصدر دي كليرك، الرئيس الأبيض المعتدل، قرارات بشرعية الأحزاب الوطنية للسود، وفي عام 1990 ألقى نيلسون مانديلا كلمة في اجتماع مشترك لمجلسَي «الكونغرس» الأميركي، وبحلول عام 1994 أصبح مانديلا رئيساً لجنوب إفريقيا.

في خلاصة، التاريخ لا يكرر نفسه تماماً، ولكن ما فعلته إسرائيل يفوق كثيراً ما فعلته جنوب إفريقيا، وانتقال الأحداث المُجرّمة بالصوت والصورة أصبح على الهواء مباشرة ومن 1000 مصدر ومصدر، وما حدث لغزة كان أصدق مثال، والمغامرة الأخيرة لإسرائيل في توريط الولايات المتحدة بحرب مكلفة أصابت، بشكل مباشر، المواطن الأميركي، وشمل ضررها كل العالم، ترجّح، بشكل كبير، أن إسرائيل خسرت الحرب.

ما لا نعرفه هو توقيت الاعتراف بالخسارة، وما لا نعرفه هو نتائجها، فمن المؤكد أن حلمها بإسرائيل العظمى قد مات، والخيارات باتت إمّا حالة جنوب إفريقيا، أي دولة ديموقراطية لكل السكان، أو حل الدولتين، وسوف يكون هشّاً، أو مغادرة الكثير من الإسرائيليين إلى دولهم الأصلية.

back to top