بالقلم الأحمر: نكتة سودة!
الكوميديا السوداء، أو الفكاهة السوداء، أو كما يُطلق عليها Black comedy، هي نوع من أنواع الفكاهة التي تتناول مواضيع (تابوهات) جدية وسوداوية، وتطرحها بأسلوبٍ ساخر، تهكمي، أو مضحك، وهو لا يُعد تقليلاً من حجم القضية، بل وسيلة لمواجهتها والتعاطي معها.
وهناك تحليلات أثبتت أن الأدب والنكتة لا يزدهران إلا في أشد الأوقات «سوداوية». فعلى سبيل المثال، إبان الحرب العالمية الثانية شاعت «نكت الهمس» السرية التي كانت عقوبتها الإعدام، وتكثر كسلاحٍ نفسي مهدِّئ. فمثلاً قصة هتلر ومساعده غورينغ على قمة برج برلين، حيث قال غورينغ: «أود فعل شيء يسعد أهل المدينة»، فأجابه هتلر: «اقفز إذن!».
وشاعت في الاتحاد السوفياتي نكت طالت طوابير التموين والبيروقراطية، فيُحكى أن مواطناً ضاق ذرعاً بانتظار الخبز، وصاح: «سأذهب لاغتيال الزعيم»، لكنه عاد بعد ساعة لمكانه، لأن «طابور الاغتيال كان أطول من طابور الخبز!».
ولا ننسى النكت الكثيرة التي صدرت في حرب الخليج 1990 أثناء الغزو العراقي الغاشم وبعده، حيث استخدم الشارع الكويتي والخليجي النكتة لتعرية الطاغية صدام، ومنها حوار صدام حسين وجورج بوش في عز الأزمة، حيث يقولون إن صدام اشترى جهاز كشف الكذب، وكان متطوراً جداً (يُصدر صوتاً إذا كذب الشخص)، حيث وقف جورج بوش، وقال: «أنا أفكر بمصلحة العالم»، فصاح الجهاز: «طوووط». فوقف صدام بكل ثقة وعدَّل شاربه، وقال: «أنا أفكر...»، وقبل أن يُكمل الجملة، انفجر الجهاز!
هذا الدمج بين الفن والواقع لا يقف عند حدود التسلية، بل يمتد ليلعب دوراً جوهرياً في صناعة الهوية والصلابة النفسية للمجتمع، فالنكتة والأغنية والقِصَّة الساخرة في زمن الأزمة تتحوَّل إلى «ذاكرة جمعية» تربط الناس ببعضهم، وتمنحهم القوة الشعبية للوقوف مجدداً بعد الأزمة.
وأخيراً، عندما عِشنا جميعاً حالة من القلق والهلع جرَّاء التوترات الإقليمية والعدوان الإيراني الأخير، وجدنا أنفسنا نبحث غريزياً عن منفس ومتنفس. سارع الناس، عبر التدوين ومنصات التواصل، إلى تحويل مسيَّرات وصواريخ العدو إلى مادة للتهكم الأدبي والكوميديا اليومية. ولا نُنكر أنها خفَّفت عنَّا بعض القلق.
وهنا تكمن أهمية التركيز على الفن والكُتَّاب والنقاد، حيث يثبت الفن والترفيه الساخر أنهما أداتان لإعادة ترتيب أولويات المجتمع الأدبية والإعلامية، ولا يمكن إغفال أهمية هذا الجانب للصحة النفسية كذلك بعد الأزمات.
بالقلم الأحمر و(آخر نكتة):
يقولون إن قائداً بالحرس الثوري وقف أمام الصواريخ قبل الإطلاق، وصرخ بأعلى صوته: «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل!»، فالتف الجنود حول قائدهم، وقالوا: «يلا نزلها عالإنترنت بسرعة قبل لا أميركا تطفي الإنترنت علينا!».