عن الاغتراب البيئي... ثمن الردم العشوائي
الحقيقة المُرَّة، والتي يعلمها الجميع، ولا يستطيع أحدٌ نفيها، أن المرادم الخاصة بالنفايات في أي مكان أو زمان، هي شر مُطلق واضح للعيان. والأهم من ذلك، أن دول العالم قاطبة بدأت تقليص عدد المرادم أو وضع خططٍ بديلة واستراتيجيات لمحاربة هذا التوجُّه، الذي أصبح في خبر كان.
ولعل من أبرز تلك النظم واللوائح الخاصة بالمرادم العاملة للنفايات، هي الخاصة بالاتحاد الأوروبي 1999/31/EC والمعدَّلة بموجب القرار 2018/850، والتي نظمت منسوب دخول المواد إلى المواقع المخصصة للردم، والتعامل معها باشتراطات بيئية صارمة جداً.
ولعل التأخير في وضع لوائح واشتراطات بيئية واضحة لدينا في الكويت، وتحديد مواصفات بيئية للمرادم، هو حديث له شجون وأسباب عديدة يعجز المرء عن تلخيصها في مقال أو اثنين، ولا حتى عشرة مقالات فنية لن تجد لها مجيباً.
دخلنا في الكويت، كحال عددٍ من دول المنطقة، في تيار التطوُّر العمراني منذ خمسينيات القرن الماضي. وعليه، ومع أسلوب الحداثة في كل شيء، لم ينفك تفكيرنا في الأخذ بعين الاعتبار كل ما هو جديد، إلا ما يتعلَّق بالبيئة والأثر الحقيقي لها على مستوى حياة الفرد.
ومع التطوُّر والأخذ بالاعتبار دخول موجة الوعي البيئي والهندسي في العلوم والتكنولوجيا، دخلنا في نفق الغزو العراقي وتبعاته. لذلك، كان لدينا من الأولويات ما لدينا ونحن نُصلح ما أفسده جار السوء. لكن لا داعي للصياح والعويل والبكاء على اللبن المسكوب، فكلنا يعلم أننا أبناء اليوم، ومصلحة هذا الوطن هي الغاية لدى الجميع.
نعم، لدينا قانون للبيئة في الدولة ولوائح واشتراطات عديدة، وكذلك لدينا تنظيمات وعقود في بلدية الكويت، لكن نطمح ونريد أعمالاً حقيقية تنعكس بصورة إيجابية وواضحة على صحة البيئة، واليوم قبل الغد.
خطط الإدارة المتكاملة للنفايات وجب أن تكون مدروسة بعوائد اقتصادية واضحة، وليست ذات طابع إنشائي فقط. وعليه وجب أن تنتفي المرادم والحاجة إليها، إلا فيما يتعلَّق بالردم الصحي المُصمَّم هندسياً لغايات واضحة في استخلاص المواد والطاقة. وإن كان جونا وبيئتنا الصحراوية يسمحان بتحلل النفايات بشكلٍ سريع، فلا يزال غاز الميثان منها يشكِّل ما يفوق قوة 34 مرة من الكربون المكافئ لمئة سنة.
والحقيقة المطلقة أيضاً أن قشر الموز يتحلل في أربعة عشر يوماً، وقناني البلاستيك في خمسمئة سنة، وعليه لا مفر من التصرُّف الصحيح، والنظر إلى النفايات على أنها مصدر مستدام للطاقة والمواد الخام، وداعم حقيقي للاقتصاد. لذلك، يجب فوراً تشكيل فريق حقيقي لمعرفة ودراسة مكامن الخلل والتأخير، ولم كان، وما يستوجب علينا جميعاً أن ننهي أزمة الردم العشوائي في الدولة. والله كريم وهو المستعان.
على الهامش:
في نهايات سنة 2008 وقد كان الوقت في غرة شهر رمضان المبارك (وأعتقد أنه كان يُكافئ شهر أغسطس من ذاك العام)، كُنا نتناقش في مفاهيم الاقتصاد الدائري في بريطانيا ونحن طلبة دراسات عليا، وكان الأمر بدأ في التوسع لدخول العالم الهندسي العلمي بشكلٍ جاد. اليوم أصبح الأمر لدينا في الكويت كشيءٍ مقارب للموضة أو «الترند» يتكلَّم فيه كل قاصٍ ودانٍ.