أشبعونا مسيّرات... وأشبعناهم إدانات
الاعتداءات المتكررة التي تستهدف دول الخليج، وعلى وجه الخصوص الكويت والبحرين، لم تعُد حوادث عابرة يمكن احتواؤها ببيانات الشجب، بل تحولت إلى نمطٍ ممنهج يختبر حدود الردع ويقيس سقف الصبر الخليجي.
في كل مرّة تتكرر فيها هذه الهجمات، تتقدم «المسيّرات» خطوة، بينما تتراجع «الإدانات» خطوة، ومع هذا الاختلال، تتآكل معادلة الردع تدريجياً، ويُفتح المجال أمام مزيد من الجرأة في استهداف أمن المنطقة واستقرارها.
المعضلة لم تعد في توصيف الاعتداءات، فهي مدانة سلفاً، بل فيما يليها، فماذا بعد الإدانة؟ وهل تحولت البيانات السياسية إلى بديل عن الفعل، أم إلى غطاء غير مقصود يمنح المعتدي مساحة إضافية للاستمرار؟
الواقع يفرض مراجعة جادة لمنظومة الدفاع الخليجي، ليس من حيث الإمكانات، بل من حيث تفعيلها، فالدول الخليجية تمتلك قدراتٍ نوعية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في توحيد القرار، وتسريع الاستجابة، والانتقال من التنسيق إلى الفعل المشترك.
لقد غيّرت الهجمات الأخيرة طبيعة التهديد، إذ لم يعُد تقليدياً، بل بات يعتمد على أدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، كالمسيّرات، وهو ما يستدعي بناء منظومة دفاع جوي موحدة، وتكاملاً استخباراتياً فورياً، ورفع الجاهزية بشكل جماعي لا فردي.
وفي هذا السياق، يتنامى قلق خليجي مشروع من ضبابية رؤية الحليف الرئيسي، الولايات المتحدة، فإعادة ترتيب أولوياتها الدولية وتذبذب مواقفها في بعض الملفات يفرضان واقعاً جديداً، شراكة قائمة، نعم، لكنها مظلة لم تعُد كافية بذاتها، وهذا الغموض لا يلغي التحالف، لكنّه يفرض على دول الخليج تسريع بناء قدرة ردع أكثر استقلالية ومرونة.
ومن هنا، لم يعُد تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك خياراً مؤجلاً، بل ضرورة آنية، فالأمن الخليجي كلٌّ لا يتجزأ، وأي استهداف لدولة هو استهداف للمنظومة بأكملها، مما يستدعي رداً جماعياً يعيد رسم خطوط حُمرٍ واضحة، ويُحمّل أي اعتداء كلفته الحقيقية.
وذلك لا يعني الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب، فالدبلوماسية تبقى أداة أساسية، لكنها لا تكون فاعلة دون سند قوة، فالهدوء بلا ردع يُساء تفسيره، وضبط النفس بلا فعل قد يُقرأ ضَعفاً.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى ردع التهديد، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل، فاستمرار المعادلة الحالية، مسيّرات تتكاثر، وإدانات تتكرر، لن يُنتج إلا واقعاً أكثر هشاشة.
في النهاية، السيادة لا تُحمى بالبيانات، والأمن لا يُبنى بالعبارات ما بين المسيّرات والإدانات، هناك خيار ثالث يجب أن تتبناه دول الخليج، وهو ردعٌ مشترك، واضح، وحاسم.