وانتصرت المتاريس على الذاكرة *

نشر في 08-06-2026
آخر تحديث 07-06-2026 | 20:52
 خولة مطر

جلسوا على طرفي القاعة يتربص بعضهم ببعض. هم أنفسهم الذين كانوا قبل أيام أو أسابيع أو سنوات يجلسون على المقاعد ذاتها في المدرسة الحكومية أو الخاصة، ويلعبون في الحارة نفسها أو النادي نفسه، ويتبادلون الزيارات في الأعياد والمناسبات، أو حتى على فنجان قهوة أو كوب شاي. بعضهم كان يتفادى أن تلتقي عيناه بعيني الآخر، ربما خوفاً من مواجهة لا يريدها، أو من عتبٍ قد يفضحه النظر، أو من شوقٍ لا يليق بزمن المتاريس. أليست العين مغرفة الكلام؟ ما إن بدأ الاجتماع حتى تحولت القاعة إلى كتلتين متحفزتين. صار لكل كلمة خندق، ولكل فاصلة متراس، ولكل رأي سلاح. ارتفعت الأصوات قبل أن ترتفع الأيدي، وانطلقت الاتهامات قبل أن تكتمل الجمل. كلمات لم يكن أحدهم يتخيل يوماً أن يوجهها إلى جاره أو زميله في المدرسة أو الجامعة، أصبحت اليوم جزءاً من قاموس يومي. 

كان المشهد أشبه بحربٍ بلا رصاص. السيوف هنا من كلمات، والخناجر من عبارات، لكن الجروح ليست أقل عمقاً. وحين يُستباح الاحترام، وتُهان الذاكرة المشتركة، وتُمحى سنوات الجيرة والصداقة، يصبح العنف اللفظي وجهاً آخر للعنف نفسه. وحين حان موعد استراحة القهوة، تنفس البعض الصعداء. ربما لأنهم احتاجوا إلى هواء أقل تلوثاً بالكراهية، أو لأنهم أرادوا التمسك ببقايا أمل. وقف الفريقان في صفين متقابلين، كأنهما فريقا كرة قدم يستعدان لحماية مرمييهما. حتى عبارات المجاملة البسيطة اختفت. لم يعد أحد يقول: «تفضل»، أو «من فضلك»، أو «اسمح لي». وكأن اللغة نفسها أصبحت ضحية أخرى للصراع. قال أحدهم: «هم لا يشبهوننا». وردت أخرى: «كيف نجلس معهم وقد قُتل أبناؤنا تحت قصفهم، أو في سجونهم، أو ماتوا قهراً وتهميشاً؟». حاولت أن أذكرهم بأن الحوار لا يكون بين المتفقين، وأن التفاوض لا يجري بين من لا خلاف بينهم. لكن السؤال ظل عالقاً في الحلق كالغصة: كيف تمزق المجتمع إلى هذا الحد؟ ومتى أصبح سؤالك الأول لأي شخص جار كان أو صديق أو معرفة، سؤال تغلفه بزركشة وهمية تتصور أنها ستحمي باطنه الطائفي أو الانقسامي أو المغمس بالكراهية « ما دينك» أو « ما طائفتك» و«ما مذهبك» أو حتى من أي منطقة أو مدينة أنت. كم هو صعب أن ترى نفسك في أوطان قسّمتها سردية نسجها الصهاينة وأصدقاؤهم وحلفاؤهم في كتب المدرسة ومواعظ الكنيسة أو الجامع أو... وفي الصحافة والإعلام ووسائل التواصل. ألم يكشف عن شبكة واسعة من جيش إلكتروني يجلس في إحدى القاعات تحت الأرض في تل أبيب ويحمل أسماء عربية تقول للسني، أو الشيعي، أو العلوي، أو الدرزي، أو المسيحي، أو الكردي، أو الأمازيغي أو الإسماعيلي إنهم يكرهونك ونحن الأقرب لك؟! كيف نعيد بناء أوطاننا بعد أن تم شحننا بهذا الكم من الكراهية لآخر هم خلقوه رغم أنه الأقرب لنا؟ وربما يكون أخطر ما في الأمر أن الناس يظنون أنهم اختاروا هذه المتاريس بأنفسهم، بينما تكون قد شُيدت حولهم بصبرٍ ودقة على مدى سنوات. عندها يصبح الانقسام وكأنه حقيقة أزلية، لا نتيجة لسياسات وصراعات ومصالح أرادت دائماً أن يبقى المجتمع منشغلاً بنفسه بدلاً من أن يلتفت إلى من يستفيد من تمزقه. ويبقى السؤال الذي لا مفر منه: كيف نعيد بناء أوطاننا بعد كل هذا؟ ربما تكون البداية متواضعة إلى حد السذاجة: أن نستعيد قدرتنا على رؤية الإنسان قبل الطائفة، والمواطن قبل الجماعة، والجار قبل السردية التي قيلت لنا عنه. أن نتذكر أن الذين يجلسون اليوم خلف المتاريس نفسها، كانوا بالأمس يقفون معاً في الطابور ذاته، ويحلمون بالأشياء ذاتها، ويضحكون للنكات نفسها... فالأوطان لا تنهار فقط عندما تقصف مدنها، بل حين يقتنع أبناؤها بأن ما يجمعهم أقل مما يفرقهم!

* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

back to top