بقايا خيال: أول عهدي بدهاليز السياسة

نشر في 08-06-2026
آخر تحديث 07-06-2026 | 20:49
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

لم أكن قد بلغت العاشرة عندما نشأت أول علاقة غير مباشرة مع (حضرة صاحب السمو الشيخ عبدالله السالم الصباح حاكم الكويت المُعظّم)، طيّب الله ثراه.

حينها خرجت مع إخوتي دون أن أدري لماذا خرج الجميع وهم يهتفون بهتافات لم أفهم مضمونها، لأنني كنت أجهل حينها أسباب خروج الكويتيين والمقيمين عن بكرة أبيهم، في تظاهرة هي في عُرف الطفولة تعبير عن غضب ما، دون أن أعرف لماذا.

ولكنني خرجت مع مَن خرج حتى ملأنا الشوارع والطرقات؛ الكل كان يهتف (يا بوسالم عطنا سلاح... احنا نحارب وانت ارتاح).

مَن هو بوسالم هذا؟ لا أدري. لم أكن أعلم أن كُنية هذا الشيخ الجليل «بوسالم»... وعن أي سلاح يهتفون؟ ومن يقصدون بمحاربته؟ وماذا فعل هذا المجهول لأبي سالم حتى تقدّموا للدفاع عنه؟

«عطنا سلاح؟... «آنا يا الله أقدر أشيل أم صچمة»؟ البندقية البدائية، فأي سلاح يريدوننا أن نحمل؟ أنا لم أكن أعرف معنى لقتال ولا لحرب، فأيّ حرب كانوا يصرخون لشنّها؟ وعلى مَن؟ كل هذا لم أفهمه، فأنا صغير على المهام التي خرجت من أجلها. حينها لم أكن أفهم لا في مبادئ السياسة أو الحرب، فقط كنت أعرف أنه عندما أزعل من صديق كنت «أحاربه»، أو أخاصمه، يعني ما كنت أكلّمه. هذه حدود فهمي للكلمة. لا تلُمني على جهلي، فأنا كنت مجرّد طفل تفكيره كان «على قدّه»، لا أكثر.

كانت الساحات القريبة من بيتنا ملأى بالناس وبالسيارات (صالونات ووانيتات ولوريات)، جاؤوا من كل زاوية بالديرة للمشاركة في التظاهرة.

كان أصحاب السيارات يصيحون بالمتجمهرين يدعونهم للركوب، حتى الفتيات بمختلف الأعمار شاركن في التظاهرة، تفرّق الأشقاء في الزحام وبين أكداس حديد السيارات المغطاة بدشاديش وغتر بيضاء.

خلال دقائق وصلنا إلى واجهة قصر قيل إنه قصر الشيخ العود، وعرفت فيما بعد أنه «قصر السيف العامر»، فالمسافة كانت قصيرة من مكان ركوبنا «الوانيت» بين مصنع حيات للطابوق الإسمنتي، المواجه لنقعة الخرافي شمالاً والمستشفى الأمريكاني غرباً، وصولاً لقصر السيف، فهي ليست بعيدة، ولم تستغرق وقتاً طويلاً حتى في زحمة الطريق بالسيارات والمتظاهرين.

وبينما الناس لاهون بالهتافات، ظهر أشخاص في إحدى بلكونات قصر السيف ليزداد حماس المتظاهرين، لم أكن أعرف أحداً من الواقفين في البلكونة، ولا أدري سبب ازدياد حماس مَن حولي وهتافهم «يا بوسالم عطنا سلاح... احنا نحارب وانت ارتاح»، عند أول ظهور لأشخاص في تلك البلكونة، ثم لمحت من بعيد عسكرياً بسحنة سمراء يُمسك بالميكروفون ويطالب المتجمهرين بالهدوء، ثم يتحدث شخص آخر في الجماهير، سمعت مَن حولي يقولون إنه بوسالم... إنه الحاكم الشيخ العود.. عبدالله السالم.

إذن هذا هو بوسالم اللي نشوف صورته بوسط أغلفة دفاترنا المدرسية الملونة... تلك كانت المرة الأولى التي أرى فيها حاكماً من حكّام بلادي بهيئته الحقيقية، والأولى التي أرى فيها رأي العين المقصود بتلك الجملة الخالدة على دفاتر المدارس (حضرة صاحب السمو الشيخ عبدالله السالم الصباح... حاكم الكويت المُعظّم)... حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف سبب خروجنا الغريب ومشاركتنا العفوية في التجمهر، إلّا بعد عودتي إلى البيت، لأسمع من إخوتي أن قاسم العراق كان قد ألقى خطاباً قبل ستة أيام (يوم الاثنين 19 يونيو 1961، عندما أعلنت الكويت استقلالها)، مُهدداً بضمّ الكويت إلى العراق.

ولهذا خرج كل الكويتيين منذ صباح يوم الأحد 25 يونيو 1961، ذلك الخروج القسري، والعفوي في الوقت نفسه، كان محطتي الأولى وبداية عهدي بدهاليز السياسة، حتى وإن لم أكن أعرف معناها العام لسنوات عديدة تلت تهديدات قاسم العراق.

back to top