المصدر قبل المعلومة... والتخصص قبل الرأي

نشر في 08-06-2026
آخر تحديث 07-06-2026 | 19:12
 د. عبدالمحسن التركي

في السنوات الأخيرة، أصبح الوصول إلى المعلومات الطبية أسهل من أي وقت مضى، فبضغطة زر يمكن لأي شخص الاطلاع على أخبار عن علاجات جديدة، أو أجهزة طبية مبتكرة، أو نصائح صحية تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي العيادة، كثيراً ما يسألني المراجعون عن معلومة قرأوها، أو جهاز طبي شاهدوا إعلاناً عنه أو مقطعاً يتحدث عن فوائده. وهذا أمر إيجابي يعكس اهتمام الناس بصحتهم وحرصهم على المعرفة، لكن السؤال الأهم ليس ما هي المعلومة؟ بل ما هو مصدرها؟

في الطب، لا تُقاس قيمة المعلومة بعدد المشاهدات أو المتابعين أو سرعة انتشارها، وإنما بقوة الدليل العلمي الذي يدعمها، فالمعلومة الطبية الموثوقة هي تلك التي تستند إلى دراسات علمية أُجريت وفق أسس بحثية دقيقة، وتمت مراجعتها من قبل خبراء مستقلين، ونُشرت في مجلات علمية محكّمة، ثم أُعيد التحقق من نتائجها في أكثر من مركز بحثي.

ولهذا السبب، قد تكون المعلومة المتداولة صحيحة، وقد تكون غير دقيقة أو غير مكتملة، لكن الحكم عليها يجب أن يكون من خلال جودة المصدر العلمي الذي تستند إليه، لا من خلال شهرة من ينقلها أو عدد من يتداولها.

كما أن توفر المعلومة لا يعني بالضرورة القدرة على تفسيرها بالشكل الصحيح، فقراءة الدراسات العلمية وفهم نقاط قوتها وحدودها، وربط نتائجها بالواقع السريري، يحتاج إلى معرفة متخصصة وخبرة عملية، ومن هنا تأتي أهمية الطبيب المختص، الذي لا يكتفي بقراءة الدليل العلمي، بل يطبقه بما يتناسب مع حالة كل مريض وظروفه الصحية الفردية.

فالطب ليس مجرد معلومات متفرقة، بل علم متكامل يعتمد على الأدلة والخبرة والحكم السريري، وما قد يكون مناسباً لمريض قد لا يكون مناسباً لآخر، حتى وإن كان التشخيص متشابهاً.

وعندما نبحث عن رأي طبي فمن المهم أن نسأل عن التخصص كما نسأل عن المعلومة نفسها، فلكل تخصص مجاله العلمي الذي أمضى سنوات في دراسته وممارسته، وهو الأقدر على تقييم المستجدات العلمية ضمن نطاق خبرته.

إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون وسيلة ممتازة لنشر الوعي الصحي، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المصادر العلمية الموثوقة أو عن استشارة المختصين، فالمحتوى الطبي الجيد لا تُحدد قيمته بطريقة عرضية، بل بجودة الأدلة التي يستند إليها.

وفي زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، أصبحت الثقافة الصحية الحقيقية لا تقتصر على معرفة المعلومة، بل تشمل معرفة مصدرها، والقدرة على التمييز بين الرأي والدليل، وبين الشهرة والخبرة.

لذلك، قبل أن نقتنع بأي معلومة طبية أو نتخذ قراراً يتعلق بصحتنا، لنسأل دائماً: ما مصدر هذه المعلومة؟ وما مدى اختصاص وخبرة الشخص الذي يقدمها؟... ففي الطب يبقى المصدر قبل المعلومة، والتخصص قبل الرأي.

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة،

معهد الكويت للتخصصات الطبية،وزارة الصحة

 

back to top