وجهة نظر: حبس المدين بين الإعسار والتهرب

نشر في 08-06-2026
آخر تحديث 07-06-2026 | 18:18
 عبدالرزاق عبدالله

الحبس إحدى وسائل التنفيذ القانونية للدائن لإجبار المدين الممتنع عن السداد، فهو ليس عقوبة بقدر ما هو وسيلة من وسائل التنفيذ جاءت نصوصها في قانون المرافعات المدنية والتجارية، حيث أعطى الحق لقاضي التنفيذ سلطة إصدار أمر بحبس المدين الممتنع عن الوفاء رغم قدرته على السداد، وللقاضي قبل إصدار الأمر أن يجري تحقيقاً مختصراً للتحقق والتحري من ملاءة المدين وقدرته على السداد، ومن ضمن وسائل التحقق والتحري استخراج المستندات اللازمة من الجهات الحكومية وغير الحكومية للوقوف على مدى قدرة المدين على السداد للفصل في طلب أمر الحبس.

ويجوز للقاضي أن يمنح المدين مهلة للوفاء لا تتجاوز شهراً، كما يجوز له بعد موافقة الدائن أن يأمر بتقسيط الدَّين متى ثبت عدم قدرة المدين على سداد قيمة الدين كاملاً.

ويمكن القول إن المدين الذي ثبت إعساره لا يجوز الأمر بحبسه، حيث كما سبق القول إن الحبس ليس عقوبة بقدر ما هو وسيلة جبرية لسداد الدَّين، ولكن يجب التفريق بين المدين المعسر حسن النية وهو من عجز فعلاً عن السداد بسبب ظروف مالية حقيقية خارجة عن إرادته دون أن يتعمّد التهرب من سداد ديونه، وهذا المدين يتمتع بالحماية القانونية ولا يجوز حبسه لمجرد الفقر والإعسار.

وهناك المدين السيئ النية وهو من لديه القدرة على الوفاء بديونه ولكن قام بإخفاء أمواله أو نقلها وتصرّف فيها بقصد منع الدائن من التنفيذ عليها، وهنا يتدخل القانون بحزم لأن المسألة لم تعد مجرد دَين مدني بل تحولت إلى اعتداء على العدالة وعلى الثقة في التعاملات وكوّنت جريمة يعاقب عليها قانون الجزاء، وتتحول المسألة من نزاع مالي إلى جريمة تمس الثقة والائتمان والمعاملات التجارية ويزعزع الثقة بالأحكام القضائية، لذلك فإن التشدد مع المدين المتحايل لا يُعد خروجاً على حماية الحرية الشخصية، بل حماية لحجية الأحكام ونفاذها.

لذلك استحدث المشرع بنداً جديداً في الباب الثالث (الجرائم الواقعة على المال) من الكتاب الثالث (الجرائم الواقعة على الأفراد) من قانون الجزاء أسماه (8- تهرب المدين من الوفاء)، وأضاف إليه أربع مواد جديدة من (283) إلى (286) تتعلق بالمدين الذي يسعى لإضعاف ذمته المالية وإظهارها بحالة إعسار قاصداً التهرب من الوفاء بما عليه من ديون ثابتة بموجب سندات تنفيذية، أو التصرف فيها بأقل من قيمتها التي تتداول فيها بالأسواق وبفارق كبير، إذ نصت المادة (283) على عقوبة الحبس ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز خمسة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، وكذلك أضفى المشرع حماية جنائية على أموال المدين التي تنقل أو تسلم إلى إطراف أخرى مع علمهم بالدين الثابت بالسند التنفيذي والتي تتخذ إجراءات التنفيذ لاقتضائه وقاصدين من ذلك تمكين المدين من عدم الوفاء بما عليه من ديون، حيث يعاقب فاعلها والشريك فيها بذات العقوبة لو كان هؤلاء الأطراف زوجاً له أو من أصوله أو فروعه باستثناء الأشخاص الذين بولاية المدين أو وصايته، فإن المسؤولية لا تطالهم نظراً لأن إدارة أموالهم معقودة للمدين. 

ورتب المشرّع أثر الوفاء بالدين على الدعوى الجزائية وإجراءات التصالح والعفو الصادر من الدائن. وأسند للنيابة العامة اختصاص التحقيق والتصرف والادعاء في هذه الجرائم.

رغم الجدل القانوني حول حبس المدين، إلا أن الواقع العملي يثبت أن كثيراً من حالات الامتناع عن السداد لا يكون بسبب العجز الحقيقي، وإنما بسبب المماطلة أو نقل الأموال إلى الغير أو استغلال إجراءات التقاضي، لذلك فإن وجود سلطة الحبس إلى جانب العقوبات الجزائية عن جريمة تهرب المدين يشكل وسيلة رادعة تمنع إساءة استخدام النظام القانوني وتحقق التوازن بين حماية حرية الفرد وحماية حقوق الدائنين واستقرار المعاملات.

back to top