وجهة وطن: انت ليش سلبي؟

نشر في 07-06-2026
آخر تحديث 06-06-2026 | 20:31
 محمد البغلي

تصلني بعض التعليقات على ما أكتبه من مقالات أو تقارير اقتصادية أو حتى تغريدات، تحمل سؤالاً، أحياناً بصيغة استفسار وأخرى بنيّة الاتهام، وهو: «انت ليش كله سلبي ولا تذكر الإيجابيات في البلد»؟

ومع تأكيد أن جزءاً أساسياً من طبيعة العمل الصحافي، خصوصاً مع تراجع دور الجهات المستقلة، هو رصد المشكلة وعرض مخاطرها، وتقديم الحلول المتاحة لمعالجتها، فإنه من المهم تأكيد أن المشهد العام في الكويت يحمل من السلبيات والتراجعات والإخفاقات ما يجعل أي شخص يصاب بالإحباط وليس فقط بالسلبية.

فهل يمكن أن يكون أي شخص منطقي إيجابياً عندما يشاهد أرقام ومؤشرات الفشل المعلنة رسمياً في الميزانية العامة أو سوق العمل أو التركيبة السكانية أو الاستثمار الأجنبي أو التضخم أو حتى مشاريع البنية التحتية؟

لنترك الاقتصاد على أهميته وتعقيداته، والذي لم تُصدر الحكومة حتى برنامج عمل لمواجهة تحدياته، ونتساءل عن القطاعات الأخرى، لعلنا نجد إيجابية تستحق الإشادة أو حتى الإشارة، فمن يستطيع أن يكون إيجابياً وهو يشاهد كل يوم تراجع كفاءة السياسة الخارجية الكويتية في ظل حرب إقليمية عالية المخاطر واعتداءات إيرانية تستهدف منشآتنا الحيوية؟

عندما تضيع من حياة الإنسان سنوات بسبب «تغريدة»، هل يكون الإنسان الطبيعي السويّ إيجابياً أم سلبياً؟ أو عندما يتحول الحديث عن أقدمية الوصول إلى الكويت إلى معيار للولاء والوطنية هل نخاف على النسيج المجتمعي أم نفرح بتمزيقه؟

لن أعقّد الأمور أكثر، ولننتقل إلى قطاعات أقل وأصغر، ألا نشعر بالغيرة عندما نشاهد منتخبات الدول المحيطة بنا ودول الخليج والعرب قد تأهلت إلى كأس العالم، وأغلبها لا يمتلك ربع ما لدينا من أموال ومرافق وغيرها من عوامل النجاح؟!

هل حدثكم أحد الشباب المبادرين من الذين صدّقوا خطاب الحكومة «هدّه خلّه يتحدى» عن التحديات التي وضعتها الجهات الحكومية لعرقلة أعماله؟

هل أحدثك أن البطء والتأخر في شوارع الكويت الذي ناهز السنتين لا يرتبط فقط بإصلاحها من التكسير والحصى، بل حتى بمجرّد تغيير أسمائها إلى أرقام؟ أم عن أسطوانة سحب القسائم الصناعية والزراعية المخالفة، والتي يكررها كل وزير جديد تقريباً، من دون أن تُمَسّ الأسماء الرنانة وهوامير «الباطن» والمخالفين جهاراً لأغراض المنح والحيازة، وطبعاً من دون محاسبة مَن منحهم أو صمت سنوات وعقود عن مخالفاتهم؟

في عالمنا العربي لا يوجد أسهل، وربما حتى أكثر ربحية ومنفعة شخصية للصحافي من أن يكون إيجابياً تجاه الإخفاقات، ومتماهياً مع سقف الحرية المنخفض، وراضياً بما يصدر من بيانات وأرقام رسمية من دون جهد أو تحليل، فهذا أمر مُربح جداً على الصعيد المالي أو حتى على صعيد السلامة الشخصية، لكن بالتأكيد يخالف مجمل أخلاقيات العمل الصحافي والأمانة والمسؤولية التي تفرضها الصحافة على منتسبيها كعين ناقدة وكاشفة لمواطن الخلل والإخفاق ليس تصيُّداً للأخطاء أو (للمعاياة)، بل لتنبيه من بيده القرار التنفيذي لمعالجتها.

back to top