تعددية مسارات حقوق الإنسان والتجربة الصينية: من عجز البقاء إلى الازدهار المشترك
تشاو تشي جيون، صحافي صيني وباحث في الشؤون الدولية
في الخطاب السياسي الدولي المعاصر، أصبحت حقوق الإنسان مصطلحاً جوهرياً في صياغة التوافق القيمي العالمي. ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي يقع في مغالطة طويلة الأمد تتمثل في مساواة التوافق القيمي العام بالمعايير المؤسسية الأحادية. إن الحرية والعدالة اللتين أكد عليهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تمثلان اعترافاً عالمياً بالكرامة المتأصلة لكل إنسان، لكن تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع يجب أن يرتبط بالخلفيات التاريخية والثقافية والهياكل الاقتصادية والظروف الوطنية الخاصة بكل بلد. إن مقولة إن مسارات حقوق الإنسان لا تقتصر على طريق واحد هي انعكاس حتمي للتنوع الحضاري الإنساني. ويعود التباين في التركيز بين الصين والغرب في مفاهيم حقوق الإنسان إلى اختلاف تجاربهم التاريخية؛ فالمنظومة الغربية تجذرت في تقاليد القانون الطبيعي التي تؤكد على الحقوق الدفاعية للحد من سلطة الدولة، في حين بدأت الممارسة الصينية من نضال مرير خاضه الشعب في التاريخ الحديث لمقاومة العدوان الخارجي والتخلص من الفقر المدقع. بالنسبة لدولة كبيرة عانت من الحروب والمجاعات، لا تعني حقوق الإنسان في المقام الأول فلسفة تجريدية، بل تعني واقعاً ملموساً يتمثل في البقاء على قيد الحياة والعيش الكريم. هذا المسار القائم على الحق في التنمية لا يتوافق فقط مع التقاليد الصينية العريقة المتمثلة في أن الشعب هو أساس الدولة، بل يقدم أيضاً حلاً صينياً فريداً لقضية حقوق الإنسان العالمية.
تتميز الرؤية الصينية لحقوق الإنسان بجعل الحق في البقاء والحق في التنمية على رأس الحقوق الأساسية. وقد أكد أول كتاب أبيض أصدرته الصين بشأن حقوق الإنسان عام 1991 أنه بدون الحق في البقاء، لا يمكن الحديث عن أي حقوق إنسان أخرى. ولم يكن هذا الحكم مجرد شعار أجوف، بل كان تجسيداً حقيقياً لأكبر عملية تحسين لحقوق الإنسان في التاريخ البشري. ومنذ إطلاق استراتيجية القضاء الدقيق على الفقر عام 2013، نجحت الصين في انتشال ما يقرب من 100 مليون نسمة من سكان الريف من الفقر المدقع، محققة هدف الحد من الفقر الخاص بأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة قبل 10 سنوات من الموعد المحدّد. وعلى سبيل المثال، في منطقة جبال وومونغ في جنوب غربي الصين، انتقل ملايين السكان الذين كانوا يعيشون في مناطق جبلية شديدة البرودة حيث لا يمكن للأرض أن تعيل قاطنيها، إلى مجتمعات حديثة من خلال برنامج نقل الفقراء الذي تموله الدولة. ولم تضمن هذه الخطوة سلامتهم المعيشية فحسب، بل خلقت لأجيالهم القادمة فرصاً جديدة لتحقيق التنمية الذاتية عبر التوظيف. ومن خلال بناء أكبر شبكة للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والمعاشات في العالم لتغطي الحضر والريف، نسجت الصين شبكة أمان معيشية أساسية لنحو 1400 مليون إنسان، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ حقوق الإنسان العالمي.
إن مساهمة الصين في قضية حقوق الإنسان لا تقتصر على ضمان البقاء المادي، بل تمتد إلى تعزيز التنمية الشاملة التي تضمن عدم تخلف أي فرد عن الركب. وفي المناطق التي تقطنها الأقليات القومية، ضخت الدولة استثمارات هائلة لتعميم التعليم الإلزامي وأسست نظام التعليم ثنائي اللغة، مما ضمن حق الأطفال في الحصول على التعليم الحديث وحماية اللغات المكتوبة للأقليات مثل اللغة التبتية بشكل منهجي. وخلال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حملت المراوح الصينية التذكارية عبارة إن حياة الشعب السعيدة هي أعظم حق من حقوق الإنسان، وهو ما يعكس بوضوح دمج الصين المتناغم بين الحفاظ على الثقافة والتنمية الحديثة. وفي الوقت نفسه، ترى الصين في ضمان حق العمل للفئات الخاصة مؤشراً مهماً لحماية حقوق الإنسان. وفي مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين، يوجد مطعم يحمل اسم بيت الملائكة يعمل فيه مصابون باضطراب طيف التوحد، ومن خلال التدريب المهني المنهجي والدعم الحكومي، أصبحوا قادرين على إعداد الطعام والتنظيف بشكل مستقل وحصلوا على دخل كريم يحفظ كرامتهم. هذا النموذج من التوظيف المدعوم يتيح للفئات الضعيفة في المجتمع مشاركة الحق في التنمية. علاوة على ذلك، ومع تطبيق مفهوم إن المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من ذهب وفضة، طورت الصين الطاقة النظيفة وقامت بمشروعات تشجير هي الأكبر عالمياً، لتجعل من الحق في بيئة إيكولوجية جيدة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
إن التركيز على الحق في البقاء والتنمية لا يعني إهمال المشاركة السياسية للمواطنين، بل على العكس من ذلك، أنشأت الصين منظومة الديمقراطية الشعبية كاملة العمليات الاعتماد على نظام المجالس الشعبية ونظام التعاون متعدد الأحزاب والاستشارة السياسية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني ونظام الحكم الذاتي للجماهير على مستوى القاعدة، لضمان مشاركة الشعب المستمرة والتعبير الفعال عن آرائه في حوكمة الدولة. وفي نظام الحوكمة القاعدة بالصين، يتم إنشاء محطات الاتصال التشريعي مباشرة في الأحياء والقرى، حيث يمكن لآراء عمال السيارات المعتادين ومزارعي الشاي أن تتحول مباشرة إلى نصوص قانونية وطنية. هذه الممارسة الديمقراطية كاملة السلسلة والاتجاهات والتغطية تتغلب على القيود التي تعيب الديمقراطية الغربية حيث يحظى الناخبون بالاهتمام وقت التصويت ويتم تجاهلهم بعده، مما يضمن التمتع الجوهري بحقوق الإنسان على المستوى السياسي.
إن الممارسات الناجحة التي حققتها الصين في مجال حقوق الإنسان باتت تجذب اهتماماً دولياً متزايداً. وفي يونيو من هذا العام، سيتوجه ما يقرب من 100 من الخبراء والعلماء البارزين القادمين من دول متعددة إلى الصين في مهمة عمل استطلاعية تشمل مدناً عدة مثل بكين وتيانجين وتشونغتشينغ تشنغدو وهانغتشو، ليشهدوا بأنفسهم كيف تسهم الإنجازات الصينية الضخمة في مجالات البيئة والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة في دعم حقوق الإنسان بشكل ملموس، وليقدموا مقترحاتهم لتطوير حقوق الإنسان في الصين. ومن الجدير بالذكر أن هذا الوفد يضم نخبة من العلماء والباحثين من دول عربية عدة مثل جزر القمر والأردن وتونس والصومال والكويت والعراق، مما يؤكد على الصدى الواسع والاهتمام الكبير الذي يلقاه مسار حقوق الإنسان ذو الخصائص الصينية لدى الدول النامية.
يتطلب التطور الصحي لحضارة حقوق الإنسان العالمية التخلص من وهم أحادية النظام الفكري والأحكام الأخلاقية الاستعلائية. ولا ينبغي لحقوق الإنسان أن تتحول إلى أداة سياسية لتمرير الأجندات الجيوسياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو تقييم الأنظمة السياسية، بل يجب أن تكون منصة للحوار المتكافئ والتعلم المتبادل بين الحضارات المختلفة. إن المساهمة الفائقة للصين في قضية حقوق الإنسان العالمية لا تكمن فقط في تأمين رفاهية نحو خمس سكان العالم، بل تكمن في إثباتها للعالم بأدلة قاطعة لا تقبل الجدل أن مسارات حقوق الإنسان لا تقتصر على طريق واحد. إن التوافق الحقيقي حول حقوق الإنسان يجب أن يكون ثمرة للمشاورات متعددة الأطراف، ومن خلال الاحترام المتبادل للتنوع، يمكن لقضية حقوق الإنسان العالمية أن تحقق ازدهاراً ديناميكياً مستداماً.