ترامب وإيران: مصلحتنا أولاً
هل نحن مع الغرب في علاقة تبعية عمياء تُغيب عقولنا وتطمس هويتنا، أم في حالة تمرد دائم ورفض مطلق؟
إن هذا التساؤل يقع في قلب التجاذبات الفكرية والسياسية التي نشاهدها، حيث انقسم الرأي المجتمعي إلى اتجاهين؛ اتجاه يغلو في تبني النماذج الغربية دون مراعاة لمصلحتنا الخاصة ومراعاة لظروفنا الداخلية، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دور التعامل مع القوى الدولية بناءً على نظرة تقليدية جامدة ترفض كل أجندات تأتي من الغرب.
والواقع أن الخروج من هذا المأزق يتطلب تجاوز هذه الثنائية العقيمة نحو صيغة عقلانية متوازنة تدرك أن الغرب ليس شيطاناً ناصباً للعداء في كل حين، وليس في الوقت ذاته أنموذجاً مثالياً يملك الحقيقة المطلقة ويفرض وصايته السيادية علينا، فإن النمط الذي يمثل الوعي الرصين هو الذي يتعامل مع الغرب كـ «شريك سياسي واقتصادي» محكوم بقوانين المصالح المشتركة والتبادل الحضاري.
وإذا تأملنا في دقائق سياستنا الخارجية وعلاقتنا ككويتيين مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية وقبلها بريطانيا، فسنجد بوضوح أن هذه العلاقة التاريخية لم تكن يوماً على غير مصلحتنا الوطنية، بل كانت «المصلحة العليا للوطن» هي القائد الحقيقي والمحرك الأساسي لكل الاتفاقيات والتحالفات، فالتاريخ والبحوث المعاصرة تؤكد أن خط الدفاع الأول عن أمننا واستقرارنا كان على رأس الأولويات، ولم يكن ذلك ارتماءً في أحضان التبعية الغربية أو ذوباناً فيها، فإن هذا المنحى السياسي يثبت أن هدف القيادة الكويتية عبر الأزمنة المختلفة هو تهيئة بيئة تخدم تطلعات التنمية في الكويت وفق رؤيتها المستقبلية، فالعلاقات الدولية لا تُبنى إلا على معيار جودة المخرجات السياسية والأمنية التي تحمي المصلحة الوطنية.
وأمام المعطيات والتحولات الكبيرة التي تهز بيئتنا الإقليمية من حولنا، وما نراه اليوم من تذبذب واضح في مواقف الإدارة الأميركية بقيادة ترامب بشأن إنهاء الحرب مع إيران، يصبح من الواجب المحتم استمرار التمسك بخط «التوازن الذكي» بين المتطلبات المفروضة كواقع جيوسياسي وبين الاستقلالية الوطنية الصلبة التي تركز على مصلحتنا ككويتيين أولاً وأخيراً في هذا الشأن، عبر تحصين جبهتنا الداخلية، وتدعيم كفاءاتنا الوطنية، والتوكل على الله وحده في إدارة مساراتنا، فالتاريخ يعلمنا أن الوحدة الوطنية والاعتماد على الذات الداخلية هما صمام الأمان الحقيقي أمام تذبذب القوى الخارجية.
* باحث أكاديمي