مشروع فرنسي لردع نووي أوروبي
تشهد القارة الأوروبية منذ عدة أسابيع، تحركات سياسية ودبلوماسية واستراتيجية جديدة تبعا للأحداث التي تعيشها دول الشرق الأوسط ونتيجة للاعتداءات التي وقعت على بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وللمواقف الأميركية الجديدة بخصوص دول الشرق الأوسط عامة، والدول الأوروبية والدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي خاصة.
وإذا ألقينا نظرة على دول القارة الأوروبية لوجدنا تنوعا في مواقفها السياسية والاستراتيجية، فأهم الدول الأوروبية أعضاء في الاتحاد الأوروبي (26 دولة) ولكن المملكة المتحدة لم تعد عضوا في هذا الاتحاد منذ عام 2020، كما أن دولة كبرى من الدول الأوروبية الإسكندنافية ونقصد النرويج لم تكن يوما من بين أعضاء الاتحاد، في حين أن كلاً من المملكة المتحدة والنرويج عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي (32 دولة). ولا تمتلك إلا دولتان أوروبيتان السلاح النووي وهما فرنسا والمملكة المتحدة.
وكان الرئيس الفرنسي أعلن في خطاب ألقاه خلال شهر مارس الفائت حين كان في زيارة لقاعدة غواصات فرنسية نووية، أن ثماني دول أوروبية (ألمانيا، وبلجيكا، وبولونيا، والدنمارك، والسويد، والمملكة المتحدة، وهولندا، واليونان) استجابت لاقتراح كان قد قدمه لدول القارة الأوروبية يدعو فيه إلى مشروع «ردع نووي متقدم»، وانضمت النرويج مؤخرا، وفي شهر مايو كتاسع دولة أوروبية إلى هذا المشروع الذي تبقى فيه فرنسا الدولة الوحيدة التي تملك قرار استخدام السلاح النووي في حال تعرضت دول المشروع لأي اعتداءات على أراضيها.
يشكل هذا المشروع الفرنسي مبادرة أوروبية تجاه المواقف الجديدة للإدارة الأميركية فيما يتعلق بالالتزامات الملقاة على عاتق الولايات المتحدة الأميركية كعضو رئيسي وهام في حلف شمال الأطلسي وكأكبر قوة عسكرية فيه، وهو ما دفع دول هذا الحلف إلى أن تستظل ومنذ عدة عقود، تحت الغطاء النووي الأميركي، وتعتمد عليه أيام الحرب الباردة، وفي هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي التي تشهد منذ عام 2022 حربا جديدة في القارة الأوروبية بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا.
وقد بدأ العمل فعليا بهذا المشروع الفرنسي، حيث تشارك كل من ألمانيا وبولونيا، من بين الدول التسع الأطراف فيه، بتدريبات مشتركة مع القوات الفرنسية المعنية بالسلاح النووي، وتم تشكيل «مجموعة توجيهية» مشتركة لتبادل المعلومات، مما سيسمح عند الضرورة للطائرات الفرنسية المزودة بالأسلحة النووية بالتمركز في القوات العسكرية لهذين البلدين الأوروبيين. وتندرج هذه الخطوات فيما يمكن اعتباره ردا على مواقف الإدارة الأميركية تجاه منظمة حلف شمال الأطلسي والدول الأوروبية، ومحاولة جادة من قبل عدة بلدان أوروبية مشاركة في هذا المشروع بغرض توظيف السلاح النووي كأسلوب ردع مهم.
يشكل السلاح النووي موضوعا استراتيجيا وحيويا للدول الأوروبية، ومن المهم أن يبقى قرار استخدام هذا السلاح في مختلف الظروف والأوضاع في يد الدول التي تملكه وطورته، ونقصد فرنسا والمملكة المتحدة، وليس هناك ما يمنع من أن يتم التذكير بهذا السلاح كسلاح رادع يستخدم للدفاع وحماية أراضي البلدان الأوروبية التي تشعر بالتهديد منذ عدة أعوام، والتي لم تعد واثقة من مواقف الإدارة الأميركية بالدفاع عنها في حالات الاعتداء عليها.
* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا.