إيران جابت العيد

نشر في 05-06-2026
آخر تحديث 04-06-2026 | 20:37
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

لن أتكلم عن خسارة إيران العسكرية، ولا عن أزماتها السياسية والاقتصادية، ولا عن تراجع علاقاتها الإقليمية، ولا حتى عن إخفاق مشروعها في بناء دولة حديثة متصالحة مع محيطها، ولا عن خسارة علاقاتها مع جيرانها، بل سأتكلم عن الخسارة الأعمق والأخطر: خسارتها للإنسان الإيراني من الداخل، وتآكل هويتها الدينية والاجتماعية تحت وطأة التوظيف السياسي للدين.

فعلى امتداد عقود، قُدِّم المشروع الثوري الإيراني بوصفه نموذجاً للخلاص الديني والسياسي، غير أن قطاعات واسعة من الإيرانيين باتت ترى أن التجربة انتهت إلى نتائج معاكسة تماماً، إذ ارتبط الدين في الوعي الشعبي بالقمع، والتضييق، والأزمات الاقتصادية، والصدامات الإقليمية، بدلاً من أن يكون مصدراً للعدالة والرحمة والعيش الكريم.

ففي السنوات الأخيرة، كشفت بعض الدراسات الاجتماعية- منها استطلاعات لمؤسسة «GAMAAN»- عن تحوُّلات لافتة في المعتقد الديني داخل إيران، حيث تراجعت مستويات الانتماء إلى التدين الرسمي، فقد أظهرت الاستبيانات أن نسبة مَنْ يعرِّفون أنفسهم كمسلمين خلفاً لآبائهم قد تراجعت بشكلٍ غير مسبوق إلى 32.2 في المئة، وأن نسبة هائلة من المجتمع باتت تتبرأ من التدين الرسمي، وتبحث عن الروحانيات، ومنهم ما يسمَّى بالروحانيين، ويشكلون نسبة 7.1 في المئة، ويمارسون طقوساً وجدانية وتأملاً بعيداً عن أروقة المساجد والشرائع الرسمية. في حين قفزت أعداد الملحدين، و«اللاأدريين»، إلى 14.6 في المئة، فضلاً عن «اللادينية» (The Nones)، التي وصلت إلى 22.2 في المئة، وأصبحت الملاذ الأخير لجيل خُنق باسم الدين.

فاللاديني يؤمن بالخالق ولا يؤمن بالأديان، واللاأدري يرى أن العقل والعلم عاجزان عن إثبات أو نفي وجود الإله، فيما الملحد يتجاوز مرحلة التشكيك ورفض الأديان إلى محاربة فكرة وجود خالق يحكم الكون.

ولم يقتصر الاستطلاع على المسميات العقائدية، بل قارب السلوكيات الدينية واليومية للمواطنين. فقد أظهرت الدراسة أن 60 في المئة من الإيرانيين صرَّحوا بأنهم لا يؤدون فريضة الصلاة، و68 في المئة ذكروا أنهم يعتقدون أن الأحكام الدينية ينبغي ألا تُدرج في تشريعات الدولة، و73 في المئة يعارضون الفرض الإلزامي للحجاب بالأماكن العامة، و71 في المئة يعتقدون أن المؤسسات الدينية والمساجد يجب ألا تُموَّل من ميزانية الدولة وأموال دافعي الضرائب.

عزيزي القارئ، إن هذا التناقض الصارخ بين الشعارات المرفوعة والواقع المعيش أحدث شرخاً نفسياً وفصاماً حاداً في الشخصية الإيرانية. فقد خسر النظام الإيراني فرصة تاريخية لتقديم نموذج حضاري للمسلم المعتدل الذي يمد يد الأخوة والتعايش مع جيرانه المسلمين. وبدلاً من إعداد جيلٍ يحمل قِيم التسامح والإنصاف، كرَّس النظام السياسي الإيراني أيديولوجية ذهنية مشوهة تقوم على الثأر التاريخي، وتصدير الأزمات، والعيش في مظلومية لا تنتهي، وتدعو للانتقام، مما تسبَّب في إنتاج فصيلين منحرفين في المجتمع: إما «تطرفاً مشحوناً بالعداء» يقتات على إشعال الفتن الطائفية، وإما «ارتداداً عنيفاً» يرفض الدين جملةً وتفصيلاً، ويرى أن في الإسلام قيداً وجلاداً.

إن أعظم خسارات النظام الإيراني ليست الخسارة العسكرية والمادية، بل خسارة المواطن البائس، الذي أُجبر على الاختيار بين إسلام «عاد لينتقم»، أو إلحاد صامت يمنحه شعوراً زائفاً بالحُرية.

back to top