دراويش العوضي وفتنة «الطيبات»
تحكي الطرفة أن رجلاً من الأعراب ادَّعى النبوَّة في زمن المهدي العباسي، فاعتقله الجند وساقوه إلى المهدي، فقال له: أأنت نبيّ؟! أجاب الأعرابي: نعم، أنا نبيّ. فقال المهدي: إلى مَنْ بُعثت؟! قال الأعرابي: أوتركتموني أُبعث إلى أحد؟! بُعثت في الصباح، واعتقلتموني في المساء!
ساعات قليلة فصلت بين ادَّعاء الرجل للنبوة وبين اعتقاله، كانت كفيلة بجعل الحدث طرفة تثير السخرية وتفجِّر الضحكات، لكنها أيضاً كانت كفيلة بطرح الكثير من التساؤلات، أولها وأهمها: ماذا حدث خلال تلك الساعات؟ وكم من بائس اتَّبع هذا الأعرابي وآمن به؟ وما الفتنة التي تركها الرجل، حتى بعد اعتقاله؟
الكثير من الطرائف، عبر التاريخ، تجيبنا عن هذه التساؤلات، كان آخرها طرفة الكاهن الإفريقي الذي انتشر مقطعه المصوَّر بمواقع التواصل الاجتماعي، وهو يحاول شق البحر بعصا في يده على طريقة النبي موسى. يُظهر المقطع مجموعة من الرجال مجتمعين على الشاطئ رافعين أيديهم، فيما يجلس أحدهم أمامهم يقرأ كتاباً. وفي هذه الأثناء، سار رجل يرتدي رداءً أبيض نحو البحر حاملاً عصا، وأمر البحر أن ينشق، كما في قصة النبي موسى، لكن سُرعان ما ضربته موجة عاتية. وهو ما أصاب الرجل ذا الرداء الأبيض بالذعر وسط محاولته الفرار إلى الشاطئ، كما فرَّ أتباعه عند رؤية الأمواج العاتية.
بالنسبة للبعض، يُثير هذا المقطع السخرية، كما في قِصة الأعرابي، خصوصاً أن تقارير فنَّدت ما جاء في المقطع وتتبعته، حتى أثبتت أنه تم بثه على منصة فكاهية تحظى بأكثر من 195 متابعاً، تنشر مقاطع فيديو مماثلة لما ظهر في المقطع المتداول. لكنّ المأساة تكمن في أن هذا المقطع، ومن قبله قِصة الأعرابي - حتى وإن كانت مجرَّد طرفة - يعكسان واقعاً أكثر مأساوية عن الفتنة التي يتركها الكثير من المدَّعين والدجَّالين والمشعوذين، كتلك التي تركها الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، الذي تم فصله والتحقيق معه من قِبل جهات اختصاص، بعدما أثار الجدل، وما زال يُثيره، حتى بعد رحيله، والتي تمثلت في نظام الطيبات الذي روَّج له الرجل، والذي يتنافى تماماً مع المنطق والنظريات والدراسات العلمية والطبية المُعتبرة، ويتوافق مع الكثير من الشهادات عن خطورة النظام وأضراره على صحة حالات اتبعته بالفعل. ورغم ذلك شهد النظام إقبالاً من جمهورٍ واسع، تباينت سماته الطبقية والاجتماعية والعلمية، وبما يفسر ما جاء في الكثير من الأبحاث التي أشارت إلى أن الشخص، بصرف النظر عن مستوى تحصيله العلمي، يقع في هذا الفخ، حين تشتد حاجته إلى اليقين، وتتراجع قدرته على تحمُّل الغموض، فيبدأ البحث عن قائد «كاريزمي» يحمل عنه ثقل التفكير والبحث، وعبء اتخاذ القرار.
هذا الجمهور، مع تباين سماته، لا يدافع عن الطبيب الراحل أو نظامه، ولا عن الأعرابي أو الكاهن الإفريقي، أو عن أي دجَّال، إنما يدافع عن أوهامه هو شخصياً، الأوهام التي يتعلَّق بها لتنجّيه من ثقل التفكير والبحث، وتحمل عنه عبء اتخاذ القرارات المصيرية. يدافع عن الأوهام التي يحيا بداخلها ليجد قيمته ومنجاته.
أما عن العوضي والأعرابي والكاهن وغيرهم من المدَّعين والمشعوذين، فهم أعرف وأفهم بالأوهام التي يصدِّرونها ويسوِّقون بها أنفسهم عند جمهور المُريدين والدراويش، وتلك ليست إلا معادلة استثمارية بسيطة ومربحة، كلما زاد الأتباع والدراويش، زادت الأرباح، وكلما ازدروا علماً أو احتقروا قيمة، راجت بضائعهم وتضخَّمت أرباحهم، ونالوا المجد، لكنهم يتركون، مقابل هذه المكاسب، فتنة عظيمة والكثير من الدراويش.