بين «هوليوود» وغدر طهران... سقوط

نشر في 03-06-2026
آخر تحديث 02-06-2026 | 20:26
 د. محمد المقاطع

لا يمكن أن أصف أسلوب وطريقة المفاوضات التي يتم إجراؤها بين أميركا وإيران إلّا بأنها نمط من أنماط الأفلام الهوليوودية الأميركية، فقد تزاحمت تصريحات ترامب المتناقضة طوال فترة التفاوض، التي تقترب من يومها الـ 60!

وهي تصريحات تبلغ ذروتها بتصوير حالة النصر الأميركي المطلق القادر على فرض شروطه (على نمط الكاوبوي في أفلام الوسترن الشهيرة)، ثم يبدأ أسلوب دعائي شهير لمروّجي أفلام «هوليوود»: تم القضاء على مخزون اليورانيوم، تم تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية، تم القضاء على النظام الإيراني، وأصبح أمامنا نظام جديد أكثر اعتدالاً، إيران وافقت على الشروط كافة، الاتفاق جاهز للتوقيع، وفجأة تصدر تصريحات عن جولات مفاوضات جديدة، وأن الإيرانيين مفاوضون «صعبون»، وأنه لم يتبقّ غير بندين ليتم الاتفاق، وهكذا دواليك تُعاد هذه الأسطوانة، وكل مرة بصورة مختلفة لترامب، متقمصاً دور البابا مرّة، وقائد جيوش تاريخي مرة، وبصورة شخصية أنبياء وغيرها مما نعرفه ونشاهده في أفلام «هوليوود» الشهيرة، التي تُظهر الأميركي بالمتفوق والمتحكم في العالم بكِبْر وتعالٍ وبعقلية لا يملكها أحد سواهم.

وقد عرّج في هذا الاستعراض التفاوضي والسياسي الهوليوودي على ذمّ أوروبا، ووصفها بـ «النمر الورقي»، وأعلن أنه لا فائدة فيهم، لعدم وقوفهم معه في حرب إيران.

ثم يفاجأ الناس والعالم بغلق مضيق هرمز، وهي الورقة التي تم تحذير ترامب بشأنها قبل بدء الحرب على إيران، لكنّه تجاهلها بنمط شخصية بطل الفيلم الهوليوودي الذي سيكون زمام الأمر بيده في النهاية، لنكتشف أن ذلك لا وجود له. وقد أدى غلق «هرمز» إلى اختلال في التجارة العالمية وخطوط مرور الشحن البحري والبواخر النفطية، مما أوجد أزمة طاقة دولية وأزمة أسمدة وتجارة عالمية.

ثم يأتي المَخْرَج الأميركي بفرض الحصار على إيران بحرياً، ليكون سبب قلب الطاولة على إيران، وهو حقق ذلك نسبياً، لأنه لم يحلّ أزمة «هرمز»، بل فاقمها بتعذُّر مرور السفن بسبب الحصار الذي عطّل صادرات النفط والغاز والأسمدة من دول الخليج العربية.

ولا يزال ترامب يلوّح بضربة عسكرية جديدة، وضربة غير مسبوقة، وتدمير إيران بالكامل، بل ربما تدمير الحضارة الفارسية برُمّتها، وجميعها مشاهد تقترب من مشاهد الخيال السينمائي.

وفي المقابل، نجد إيران تتحدث عن نصر وتفوُّق على أميركا، وفشلها في تحقيق أهداف الحرب، وأهمها إسقاط نظام طهران، وأنها لن تقبل باتفاق إلّا وفقاً لخطوطها الحُمر.

وتصرّ على أن تُظهر نواياه التوسعية والغادرة بأن تجعل من ضمن شروطها أو خطوطها الحُمر انسحاب أميركا من الإقليم، وادّعاء رغبتها في تعايش سلمي مع دول الخليج العربية، وهي تقوم في الوقت نفسه بقصفها، بل وتهديدها والتدخل بشؤونها الداخلية، وتقوم بطريقة مسرحية «هوليوودية» بابتزاز دول الخليج عن طريق توجيه ردّها على تهديدات أميركا وضرباتها الجوية، لتكون تهديدات لدول الخليج العربية وضرب لمنشآتها ومرافقها!

وتصوّر ذلك على أنه انتقام من أميركا، وهي أعجز من أن تتعرّض للقوات الأميركية وبوارجها القريبة من الأراضي الإيرانية.

وتتفنن كل من إيران وأميركا في شراء الوقت والمماطلة بالمفاوضات على حساب الدول العربية والخليجية المتضررة من ذلك.

ولعلنا نلمس تنسيقاً خفياً بين أميركا وإيران والكيان الصهيوني، ظاهره الحرب وتهديدات وتصعيد، وحقيقته تحقيق مصالحهم على حساب دول المنطقة بتقاسُم النفوذ على تلك الدول، وآية ذلك ما نراه في العلن من توتُّر وتهديد، وعدم توافقه مع ما يدور في الاجتماعات المغلقة من تفاهمات وتوافق، بما في ذلك إقرار أميركا الضمني لاستمرار إيران في دعم الميليشيات المسلحة في العراق ولبنان واليمن، وأصبح كل ما يهم الطرفين هو الخروج باتفاق يحفظ ماء الوجه لكليهما.

وكل ذلك يتم بمشاورة مُخرج هذا الصراع وترتيباته، الكيان الصهيوني، الذي غدا هو الهمّ الوحيد الذي تسعى أميركا لحمايته ودعمه والإشادة به، وهو الذي استنزف أموالها وأسلحتها وجيشها بمسار أثار غضب الأميركيين واستنكارهم قبل غيرهم، ودولنا وشعوبنا التي لم تحظَ لا بشُكر ولا بحمد ولا حماية، وصارت في مهب تصريحات ترامب المتعالية عليها، والمبنية على استصغارها، وفي خضم مؤامرات الكيان الصهيوني اللقيط، وفي توجّس وريبة من غدر طهران بنزعتها العدائية والتوسعية.

back to top