«حزب الله» وإيران يرفضان وقفاً جزئياً للنار في لبنان
3 قراءات لإعلان ترامب... ومسار الحرب الإسرائيلية معلّق على اختراق دبلوماسي
تواصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أمس، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل، فيما بدا أن وقف النار الفعلي بات مرهوناً بأحد مسارين محتملين: تقدم المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن بما يفضي إلى توسيع نطاقه ليشمل كامل الأراضي اللبنانية، أو تطورات في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية بما يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع نطاقاً.
وفي وقت لم يصدر توضيح أميركي رسمي بشأن طبيعة الاتفاق الذي أعلنه ترامب، برزت 3 تفسيرات رئيسية لمضمونه. الأول هو تفسير الدولة اللبنانية، الذي نقلته السفارة اللبنانية بواشنطن في بيان، ويشير إلى أن «الترتيب المقترح» يقضي بوقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل امتناع «حزب الله» عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل، على أن يتم لاحقاً توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل مختلف الأراضي اللبنانية.
أما التفسير الثاني فهو التفسير الإسرائيلي، الذي يحصر الاتفاق بما وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بـ«معادلة الضاحية الجنوبية مقابل بلدات شمال إسرائيل»، أي وقف القصف على الضاحية مقابل وقف هجمات «حزب الله» على تلك البلدات.
في المقابل، قدّم الحزب تفسيره عبر قناة «المنار» التابعة له، مشيراً إلى وجود مقترحين أميركيين: الأول طرحه وزير الخارجية ماركو روبيو، وينص على أن يبادر «حزب الله» إلى وقف هجماته على شمال إسرائيل مقابل امتناع إسرائيل عن قصف الضاحية الجنوبية، كمرحلة تمهيدية لخفض تصعيد تدريجي وصولاً إلى وقف إطلاق نار شامل لكن من دون تحديد سقف زمني. أما المقترح الثاني، فقد طرحه الرئيس ترامب نفسه، وهو مماثل من حيث المبدأ، لكنه يتضمن إطاراً زمنياً لوقف نار شامل في مدة تتراوح بين 48 و72 ساعة.
وقال نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب، محمود قماطي، في حديث إعلامي، إن الحزب أبلغ المعنيين رفضه أي وقف إطلاق نار جزئي، مؤكداً أنه وافق على «وقف إطلاق نار حقيقي وشامل».
وفي طهران، كشف مصدر مطّلع في «الخارجية» الإيرانية لـ «الجريدة»، أن الإيرانيين بادروا، عقب إعلان ترامب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، إلى فتح قنوات اتصال عبر الوسيط الباكستاني، كما أعادوا تفعيل خط الاتصال المباشر بين وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. لكن، بحسب المصدر، أبلغت طهران الجانب الأميركي أنها لن تفعّل الاتصالات بشكل كامل، ولن تردّ على أي رسائل أميركية، ما لم يتم التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، ووقف الضربات الأميركية على مختلف المناطق الإيرانية.
في غضون ذلك، انطلقت، جولة رابعة من المفاوضات السياسية بين بيروت وتل أبيب في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، أمس. وكشفت مصادر سياسية في بيروت أن الوفد اللبناني سيطالب بتثبيت وقف إطلاق النار في كل المناطق اللبنانية، وأنه قدّم خلال المفاوضات مقترحاً يقضي بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان خلال مهلة 60 يوماً، على أن تتولى الدولة اللبنانية خلال هذه الفترة إحكام سيطرتها على منطقة جنوب الليطاني، وتفكيك البنية العسكرية الكاملة لـ «حزب الله» هناك.
كما يتضمن المقترح وضع خطة لسحب السلاح شمال الليطاني وفق ترتيبات عربية ــ إيرانية، على أن تكون هناك ضمانات عربية ــ أميركية تضمن التزام لبنان بتنفيذ هذه التفاهمات.
وفي وقت سابق تحدثت مصادر عن محاولة لإحياء نموذج معدل لـ «تفاهم نيسان 1996»، الذي أرسى آنذاك معادلة تقوم على وقف الغارات والعمليات الإسرائيلية الواسعة ضد لبنان، مقابل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ومواصلة «حزب الله» عملياته العسكرية.
إلا أن الفارق الجوهري اليوم يتمثل، حسب المراقبين، في سعي إسرائيل إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تُلزم «حزب الله» بحصر عملياته ضد القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ومنع انتقال المواجهة إلى العمق الإسرائيلي. ويُرجّح أن تتحوّل هذه المعادلة تدريجياً إلى أمر واقع، في حال تعثّرت الجهود الرامية إلى توسيع نطاق وقف إطلاق النار من الضاحية الجنوبية لبيروت باتجاه الجنوب اللبناني، أو إذا استمر الجمود في مسار المفاوضات الأميركية ــ الإيرانية.
وفي تفاصيل الخبر:
كشف مصدر مطّلع في وزارة الخارجية الإيرانية لـ «الجريدة»، أن الإيرانيين بادروا، عقب الإعلان الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، إلى فتح قنوات اتصال عبر الوسيط الباكستاني، كما أعادوا تفعيل خط الاتصال المباشر بين وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.
لكن - بحسب المصدر - أبلغت طهران الجانب الأميركي بأنها لن تفعّل الاتصالات بشكل كامل، ولن تردّ على أي رسائل أميركية، ما لم يتم التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، ووقف الضربات الأميركية على مختلف المناطق الإيرانية.
وأضاف أن الرسالة الإيرانية شددت على أنه في حال نجحت واشنطن في إلزام تل أبيب بوقف الحرب والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، فإن طهران مستعدة لضمان عدم قيام «حزب الله» بأي عمليات ضد إسرائيل.
كما جددت الرسالة التزام طهران بما وصفه المصدر بـ «رؤية المرشد مجتبى خامنئي لحلّ الخلافات وفتح صفحة جديدة في العلاقات مع واشنطن»، التي تقوم على أن التوصل إلى اتفاق حول الملفات الخلافية، بما فيها الملف النووي، لن يكون ممكناً من دون التخلي عن سياسة العداء المتبادل.
نتنياهو واثق بسقوط النظام الإيراني «في نهاية المطاف»
ووفق المصدر، أبدت إيران استعدادها لتوقيع معاهدة سلام واتفاق تعاون مشترك طويل الأمد مع الولايات المتحدة، معتبرةً أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية جدية من الجانب الأميركي.
اتفاق وشيك
جاء ذلك في وقت صرّح ترامب بأنه يعتقد أن اتفاقاً مع طهران لتمديد وقف النار، وإعادة فتح مضيق هرمز قد يتم التوصل إليه «خلال الأسبوع المقبل».
وقال ترامب في تصريحات لشبكة «سي بي إس»، ليل الاثنين - الثلاثاء، إن «الأمور تبدو جيدة»، معتبراً أن «خللاً بسيطاً طرأ، لكن عُولج بسرعة كبيرة». وأشار إلى أن الأمر يتعلق بغضب الإيرانيين من الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» اللبناني.
وأوضح أنه نجح في كبح تصعيد كبير لوّحت به إسرائيل لضرب مواقع «حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقابلته طهران بالتهديد بشنّ ضربات مباشرة على شمال الدولة العبرية.
وبينما نقلت شبكة سي إن إن عن مصدر إقليمي قوله إن المحادثات بين واشنطن وطهران عادت إلى مسارها الصحيح، بعدما أعلنت الأخيرة وقف تبادل الرسائل بسبب التصعيد في لبنان، صرح مصدر مقرّب من فريق التفاوض الإيراني لوكالة مهر، أمس، بأن الجمهورية الإسلامية لم تردّ بعد على مقترح اتفاق مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب تسلّمته عبر الوسيط الباكستاني.
وقال المصدر الإيراني إن المناقشات حول النص النهائي لا تزال جارية بقدر كبير من «التشدد والحذر».
وزعم أن «الولايات المتحدة قلقة من الحرب، ونحن قلقون من الاتفاق، لأن أميركا أنفقت الكثير على الحرب ولم تحقق نجاحاً».
سقوط حتمي
وفي حين تتخوف أوساط عبرية رسمية من احتمال توصُّل ترامب إلى اتفاق لا يعالج المخاوف بشأن تخصيب اليورانيوم الإيراني وملف الحلفاء الإقليميين لطهران بشكل كامل، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن ثقته بأن «أسس النظام الإيراني تصدعت، ولن تعود كما كانت»، مؤكداً أن «هذا النظام سيسقط في نهاية المطاف».
من جهته، دعا رئيس «الموساد» المنتهية ولايته، ديفيد برنياع، خلال مراسم تقاعده بحضور نتنياهو، إلى إكمال المهمة والجهود الرامية إلى إسقاط النظام الإيراني.
تأهب عسكري
ومع إضافة العقدة اللبنانية بعداً جديداً يزيد من حدة الخلافات المتشعبة أساساً بين طهران وواشنطن، وعدم وضوح رؤية لتحييدها بشكل حاسم من أجل التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، أفادت مصادر لـ «واشنطن بوست« بأن مسؤولين عسكريين أميركيين في قارات عدة رفعوا مستوى الحماية تحسُّباً لعودة القتال في الفترة المقبلة.
على الجهة المقابلة، رأى مساعد قائد غرفة العمليات بالقوات المسلحة الإيرانية، أحمد جعفر أسدي، أنه لا مفر من عودة الحرب مع الولايات المتحدة، في ظل إصرار واشنطن على «استسلام طهران»، في إشارة إلى مطالب ترامب الخاصة بشأن تفكيك البرنامج النووي.
تأميم وأموال
في موازاة ذلك، زعم المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني، حسين محبي، أنه «تم تثبيت سيادة إيران على هرمز، وإدارة المضيق تُعدّ أحد أوجه قوتنا».
ودعا المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، عباس غودرزي، إلى «تأميم مضيق هرمز» على غرار تأميم شركات النفط التي كانت ملكاً لمؤسسات بريطانية في منتصف القرن الماضي، معتبراً أن تأميم الممر البحري الاستراتيجي الرابط بين الخليج وبحر العرب «يمثّل جوهر الخلاف الحالي» مع الولايات المتحدة.
وتزامن ذلك مع كشف عضو الفريق الإعلامي للهيئة التفاوضية في إيران، سعيد أجرلو، أن رئيس الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف، أكد خلال مناقشته في الدوحة إصرار طهران على أن يكون 12 مليار دولار تحت تصرُّفها فور توقيع مذكرة التفاهم المحتملة، مبيناً أن 6 مليارات دولار من هذا المبلغ هي أموال إيرانية مجمدة سابقاً، بينما تمثل الـ 6 مليارات الأخرى المبلغ الذي ينبغي تحريره في هذه المرحلة، ولافتاً إلى أن قطر تواصل دورها كوسيط لمحاولة حلّ هذه المسألة.
في هذه الأثناء، أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبدالرحمن، في اتصال هاتفي مع عراقجي، ضرورة تجاوب كل الأطراف مع الجهود الهادفة إلى الوصول لاتفاق شامل لإنهاء الأزمة. وناقش الجانبان آخر تطورات الوساطة الباكستانية والملف اللبناني.
وشدد بن عبدالرحمن على أن «حريّة الملاحة تعد مبدأ راسخاً لا يقبل المساومة، وأن إغلاق هرمز أو استخدامه ورقة ضغط لا يؤدي إلّا إلى تعميق الأزمة، وتعريض المصالح الحيوية لدول المنطقة للخطر».
في السياق، اعتبر المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، أن «دول المنطقة تدفع جميعاً ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم، وذلك من الخليج العربي إلى اليمن ولبنان والعراق».
ولفت قرقاش، في منشور عبر مواقع التواصل، إلى أنه لا يمكن أن يكون دور أي دولة في الإقليم على حساب الأمن والاستقرار والازدهار المشترك، مشدداً على أن المراجعة أصبحت مطلوبة وحتمية، وذلك على أسس واضحة ومحددة، تشمل احترام السيادة الوطنية للدول، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
تخريب وانتقام
ميدانياً، أظهرت لقطات بثّتها منصات إيرانية، سفينة شحن تحمل شعار شركة «إم إس سي» مع فتحة كبيرة في جانبها، بعد تعرُّضها لهجوم قبالة ميناء أم قصر العراقي، وقالت إن العمل التخريبي جاء رداً على استهداف القوات الأميركية للسفينة «ليان ستار» الإيرانية في بحر عمان ضمن الحصار الذي تفرضه «سنتكوم» على السواحل الإيرانية.