«أوامر من المسؤولين»... الشعار الذي دمّر المؤسسات واستنزف المال العام للأسف

نشر في 03-06-2026
آخر تحديث 02-06-2026 | 18:39
 ضاري المير

تحولت عبارة «أوامر من المسؤولين» عند بعض القيادات الحكومية إلى غطاء رخيص للفشل الإداري والتجاوزات والقرارات التعسفية. أي قرار خاطئ، أي ظلم وظيفي، أي تفنيش، أي مخالفة قانونية، يتم تمريرها فوراً تحت هذا الشعار، وأصبح الأمر وسيلة لإرهاب الموظفين وإغلاق النقاش وإسكات كل من يرفض أو يعترض. 

المشكلة الحقيقية ليست فقط في القرار الخاطئ، بل في العقلية التي تدير المؤسسات بمنطق الخوف لا بمنطق القانون. بعض الإدارات لم تعد تؤمن بالمحاسبة أو الشفافية أو حتى بحق الموظف في السؤال، بل تتعامل بعقلية «نفّذ ثم اصمت»، وكأن مجرد ذكر عبارة «هذه تعليمات من فوق» كافٍ لإلغاء القانون وإيقاف أي نقاش. الأخطر أن نتائج هذه الثقافة لا تقف عند التخويف الإداري فقط، بل تصل إلى استنزاف مباشر للمال العام. 

اليوم هناك أحكام قضائية وتعويضات وقضايا إدارية دفعت الدولة بسببها ملايين الدنانير نتيجة قرارات رعناء ومتسرعة اتخذها مسؤولون بعقلية الاستقواء الوظيفي، وعندما تسقط هذه القرارات أمام القضاء لا يخرج أحد لتحمل المسؤولية، بل تُدفع التعويضات من خزينة الدولة، أي من أموال الشعب.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: من يحاسب هؤلاء؟ من يحاسب مسؤولاً دمّر حياة موظفين بقرارات تعسفية ثم خسرت الدولة القضايا بسببه؟ ومن سمح أصلاً بتحويل عبارة «أوامر من المسؤولين» إلى حصانة غير معلنة للفشل الإداري والهدر المالي؟ الحقيقة المؤلمة أن بعض الإدارات أصبحت تتصرف وكأنها فوق القانون، فقط لأنها تعتقد أن استخدام اسم المسؤولين يمنحها حماية دائمة. يتم استخدام اسم الدولة كسيف فوق رؤوس الموظفين، لا لحماية المؤسسات، بل لإخافة الناس ومنعهم من الاعتراض حتى لو كانت القرارات كارثية، وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، الموظف يخاف من قول الحقيقة، والمدير المتوسط يخاف من الاعتراض، والنتيجة؟ أخطاء تتراكم، قضايا تُرفع، أحكام تصدر، ملايين تُهدر، ثم لا أحد يتحمل المسؤولية. 

استخدام اسم الحكومة ليس شماعة يختبئ خلفها مسؤول عاجز أو إدارة فاشلة، واستخدام اسم الدولة لتبرير الأخطاء والتجاوزات هو إساءة مباشرة للحكومة، لأن الإدارة الحقيقية تُبنى بالمحاسبة واحترام القانون، لا بثقافة الترهيب والصمت. المصيبة الأكبر أن المسؤول الذي يتسبب في خسائر مالية بسبب قراراته الخاطئة لا يدفع شيئاً من جيبه، بينما المواطن هو من يتحمل الثمن من المال العام، وهذا ليس مجرد سوء إدارة، بل عبث إداري خطير يدمّر الثقة بالمؤسسات ويحوّل القانون إلى مجرد ورقة بلا قيمة أمام عقلية «الأوامر فوق كل شيء».

back to top