موجات الحر تغيِّر أوروبا

نشر في 02-06-2026
آخر تحديث 01-06-2026 | 18:54
 د. حمد محمد علي ياسين

تقول الأرقام إن صيف أوروبا لم يعد كما كان في الذاكرة. عام 2024 كان الأشد حرارة عالمياً منذ بدء السجلات الحديثة، بمتوسط عالمي بلغ نحو 15.10 درجة مئوية، متجاوزاً مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.6 درجة. 

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت أوروبا تسجل موجات حر أكثر تكراراً وشدة، حتى في دول كانت تُعرف بصيفها المعتدل. ففي يونيو 2025، بلغ متوسط الحرارة في غرب أوروبا 20.49 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 2.8 درجة من متوسط العقود الأخيرة. والأكثر لفتاً للانتباه أن أوروبا تُوصف اليوم بأنها أسرع قارات العالم احتراراً. 

نحن في الخليج اعتدنا أن نرى أوروبا ملاذاً من الصيف. نغادر حر يوليو وأغسطس، والرطوبة العالية، والغبار، بحثاً عن هواء أبرد، ومساء يمكن المشي فيه. كانت الفكرة راسخة في وجداننا: الخليج للصيف القاسي، وأوروبا للراحة والمدن التي لا تحتاج إلى مكيفات. لكن هذه الصورة بدأت تتغيَّر. خلال السنوات الأخيرة، تكرَّرت موجات الحر في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، ووصلت حتى إلى بريطانيا ودول شمال أوروبا. 

مدن كثيرة لم تُبنَ أصلاً على فكرة الحرارة الطويلة. البيوت قديمة، والنوافذ صغيرة، وأنظمة التبريد محدودة، وبعض الفنادق والمطاعم والمدارس لم تكن ترى في التكييف ضرورة. ذلك لم يكن تقصيراً، بل كان انعكاساً لمناخٍ مختلف. 

أما اليوم، فقد بدأ التكييف يدخل ببطء إلى الحياة الأوروبية، والتي لم تكن تتخيله جزءاً من حياتها. ومع الحرارة تتغيَّر تفاصيل بسيطة، لكنها مؤثرة. السائح الذي جاء ليتمشى في الساحات القديمة بدأ بالبحث عن الظل. كبير السن يُراقب نشرات الأخبار والأرصاد الجوية قبل الخروج. العامل في الشارع أو المزرعة أو المقهى يتحمَّل ساعات ثقيلة لا تظهر في صور العُطلات الجميلة. وحتى المدن التي صُمِّمت للبرد والمطر بدأت تسأل نفسها: هل نحن مستعدون لصيفٍ أطول وأقسى؟ 

التغيُّر المناخي ليس فكرة غريبة عن تاريخ الأرض، فالكوكب عرف دائماً دورات من الدفء والبرودة. لكن ما يحدث اليوم أن الأنشطة البشرية، من حرق الوقود الأحفوري إلى التوسع الصناعي والعمراني، جعلت وتيرة التغيُّر أسرع مما اعتادت عليه الطبيعة والمجتمعات. هل سنبحث عن وجهات أخرى؟ ربما. قد نختار جبالاً أعلى، أو مُدناً أبعد شمالاً، أو نسافر في مواسم مختلفة. لكن الحقيقة أن الهروب من الحر لم يعد سهلاً كما كان. أوروبا التي كنا نذهب إليها لننسى صيف الخليج أصبحت تُذكِّرنا بأن المناخ قضية واحدة، وأن ما يتغيَّر هناك ليس بعيداً عما نعيشه هنا.

back to top