جمهورية القلق

نشر في 02-06-2026
آخر تحديث 01-06-2026 | 18:52
 د. بلال عقل الصنديد

لقد تحوَّل أفيخاي أدرعي، الناطق بالعربية باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، إلى ظاهرة إعلامية تتجاوز حدود الخطاب العسكري التقليدي، لتدخل في صميم الحرب النفسية التي تستهدف المجتمعات المنهكة قبل الجبهات المشتعلة. فالرجل، بأسلوبه الاستفزازي المدروس، لا يُراهن فقط على ما يقوله، بل على ردود الفعل التي يثيرها، وعلى حجم القلق والغضب الذي يخلّفه ظهوره. 

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: فكلما ازداد الغضب تجاهه، وتنامى الحقد عليه، وتصاعدت موجات الشتائم الموجهة إليه، اتسع حضوره انتشاراً، وازداد صداه تأثيراً، حتى بدا وكأن انفعالات الجمهور المستهدف أصبحت جزءاً من أدوات نجاحه، ووسيلة لتعزيز مكانته وترقيته، بما يفضي إلى نيله نياشين عسكرية وتنويهات من مسؤوليه السياسيين والعسكريين!

لقد غدا ظهور صاحب اللكنة واللدغة، أشبه بحدثٍ يومي مشؤوم يترقبه اللبنانيون بقلقٍ ثقيل. فحين ينشر تحذيراً أو خريطة استهداف، تتحوَّل الهواتف إلى منصات إنذار، وتتسارع التحليلات والتوقعات، ويرتفع منسوب الخطر والحذر. تُقرأ منشوراته، فتُؤخذ على محمل الهمّ، وتتداول رسائله أكثر من أي بيانٍ رسمي، ويُعتنى بها أكثر من كل خطابٍ شعبوي. 

الأمر، بطبيعته، لا يرتبط بمسألة المصداقية بقدر ما يعكس عُمق الاضطراب الذي يطبع الحالة اللبنانية، حيث تراجعت فاعلية المرجعيات المفترض أن تؤمِّن الاطمئنان وتضبط إدراك المخاطر. 

وفي ظل هذا التصدُّع، يجد الخطاب الصادر عن المعتدي نفسه طريقه إلى التداول والمتابعة الحذرة، بوصفه جزءاً من مشهدٍ عام مضطرب تتداخل فيه مصادر القلق، وتتباين فيه القراءات، بما يُرسِّخ حالةً من عدم التوازن في تلقي الأحداث والتعامل معها.

ومن هنا تتكشَّف أزمة أعمق من مجرَّد تأثير إعلامي عابر. فالمجتمع اللبناني يبدو منقسماً بين مَنْ يرى في التعامل مع هذه التحذيرات ضرورة تفرضها غريزة البقاء، وبين مَنْ يعتبر مجرَّد التفاعل معها شكلاً من أشكال الإذعان النفسي للعدو. وبين هذين الموقفين، تتولَّد حالة من الانقسام الداخلي الحاد، حيث تتصارع الكرامة الوطنية مع الخوف المشروع، وتتصادم الشعارات الشعبوية مع الحسابات الواقعية.

وفي مقاربة أكثر هدوءاً، لا يمكن فهم هشاشة المجتمع اللبناني أمام الحرب النفسية من دون التوقف عند أزماته البنيوية المتراكمة. فقد أسهمت سنوات الانهيار السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، إلى جانب تغوُّل الفكر الحزبي والحسابات الخارجية، في إضعاف الدولة الجامعة، ودفع اللبنانيين إلى الاحتماء بانتماءاتهم الطائفية والسياسية الضيقة. ومع تعدُّد المرجعيات وتضارب السرديات، فقد المجتمع وحدة القراءة الوطنية للأحداث، وأصبح كل فريق يقارب الوقائع وفق مخاوفه، ويكتب التاريخ بمنظور مصالحه، ويستشرف المستقبل على ضوء رهاناته. وفي بيئةٍ كهذه، تغدو المجتمعات أكثر قابلية للاختراق النفسي والإعلامي، ليس لقوة الرسائل الخارجية، بل لغياب جبهة داخلية متماسكة قادرة على استيعاب الأزمات بعقلانية وثبات.

ويبقى السؤال الأكثر مرارة: إلى متى سيظل اللبنانيون أسرى هذا القلق الجماعي، يتقاذفهم الخوف والإنكار في آنٍ واحد؟ وإلى متى يبقى لبنان ساحة مفتوحة للهشاشة والانقسامات والمغامرات الكبرى؟ أما آن لهذا الهلع أن تنقضي أيامه، ولحالة المكابرة العمياء أن تتراجع سطوتها، فتستعيد الحياة أنفاسها، ويعود للبنانيين مكانهم ومكانتهم على ضفاف الأمل؟

* كاتب ومستشار قانوني

back to top