على الطريق...الحج ليس منصة للاستعراض

نشر في 02-06-2026
آخر تحديث 01-06-2026 | 18:47
 دهيران أبا الخيل

في موسم الحج من كل عام تتجه القلوب والأنظار إلى مكة المكرَّمة، حيث تتجلَّى أعظم معاني المساواة والتجرُّد والخشوع، وينزع المسلم مظاهر الدنيا، ليرتدي لباساً واحداً يُذيب الفوارق الاجتماعية والمادية في مشهدٍ إيمانيٍ نادر.

إلا أن اللافت للنظر في موسم الحج هذا العام هو انتشار ظاهرة غريبة ودخيلة لم نكن نألفها في المواسم السابقة، وهي ظاهرة أصحاب «سناب شات»، الذين استضافتهم بعض الحملات لعمل تغطية يومية، بل على مدار الساعة، وتصوير الحجاج وتنقلاتهم، مع أن الكثير منهم منزعج من هذا التصوير ويود أن يؤدي شعائره في جوٍ روحاني بعيداً عن مثل هذه الأفعال. وهذا ما جعل ثقافة المحتوى تفرض حضورها على هذه الشعيرة المقدَّسة، فتحوَّل الحج من رحلةٍ إيمانية إلى تجربةٍ قابلة للاستعراض والتسويق، وهذا ما رأيناه من البعض عندما يستعرض تفاصيل الرفاهية من فنادق فاخرة وبوفيهات مفتوحة إلى هدايا وخدمات خاصة، مع أن الحملات الكويتية، وبشهادة وزارة الحج السعودية، تُعد من أفضل وأرقى الحملات في خدماتها، ولا تحتاج إلى هذا النوع من التسويق، حيث أصبح تركيز أصحاب هذه «السنابات» في كثيرٍ من المقاطع على إبهار المتابعين بصور الترف أكثر من استحضار معاني العبادة والتقرُّب إلى الله.

هذا التحوُّل لا يمكن اعتباره مجرَّد توثيق شخصي، بل يعكس تغيراً أعمق في الوعي، حيث باتت قيمة التجربة تُقاس بقدرتها على جذب التفاعل، لا بعُمقها الروحي.

ولا خلاف على أن توفير الراحة والتنظيم المتطور للحجاج أمر مهم ومحل تقديرٍ كبير. فالمملكة العربية السعودية تقدِّم جهوداً استثنائية في إدارة الحج، من تطوير البنية التحتية إلى الخدمات الصحية والأمنية واللوجستية التي تضمن سلامة ملايين الحجاج سنوياً. هذه الجهود تستحق الإشادة والإبراز الإعلامي المسؤول، لأنها تمثل نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود وخدمة ضيوف الرحمن.

لكن الفرق كبير بين إبراز الجهود التنظيمية وبين تحويل الحج إلى منصة استعراض، فالحج لم يكن يوماً مناسبة للتفاخر أو صناعة صورة مثالية على وسائل التواصل، بل مدرسة للتواضع والصبر والتجرُّد من مظاهر الأنا، وعندما تطغى مشاهد الرفاهية على جوهر الشعيرة، فإن الرسالة الحقيقية للحج تتراجع أمام ثقافة التفاخر والانبهار البصري.

الأخطر من ذلك هو تأثير هذا الخطاب على الأجيال القادمة، التي قد تبدأ بالنظر إلى الحج باعتباره تجربة فاخرة مرتبطة بمستوى الخدمة والترف، لا عبادة تقوم على الإيمان والخشوع والمساواة. وهنا تتحوَّل وسائل التواصل من أداةٍ نافعة للتوثيق والمعرفة إلى وسيلة تفرغ الشعائر من معناها العميق.

إن الحج أكبر من محتوى وأقدس من أن يُختزل في صور الطعام والأجنحة الفندقية. إنه رحلة روح تتجلَّى فيها أعظم القيم الإيمانية. وفي زمن أصبح فيه كل شيء قابلاً للتسويق تبقى بعض القيم بحاجة إلى وعيٍ أخلاقي يحمي قدسيتها من الابتذال والاستعراض.

back to top