عن «الزنانة» وأدوات توحشهم *
زنّ... زنّ... زنّ... هنا في عاصمة العواصم، يبقى هذا الصوت هو الأقوى، رغم صوت العصافير وهديل الحمام، ورغم كل ما تحاوله المدينة من مظاهر الحياة، لتثبت أنها لا تزال حيّة تنبض.
صار الطنين أشبه بستارة صوتية ثقيلة تمتد فوق البيوت والشرفات والطرقات، وترافق الناس في يومهم العادي.
تشرب قهوة الصباح والزنانة معك وكأنها تجلس فوق رأسك، تخرج لتقضي بعض الحاجات، تجدها كأنها تتابعك معك هنا من الحمرا إلى الأشرفية، مروراً بالأسواق وكل بيروت.
وحدها الزنانة لا تفرّق بين اللبنانيين ولا تقسمهم كما قسمتهم حربهم الأهلية إلى بيروت شرقية وغربية. أتذكر تجربتي في تغطية الحرب عام 1984، وكيف كانت خطوط التماس تقسّم المُقسّم، فيما يطارد الجار جاره!
أما في الجنوب، فالصوت ليس للزنّانة وحدها، بل لإيقاع أثقل وأشد قسوة: طمّ... طمّ... ورصاص، وقصف، وطيران يخترق حواجز الصوت، كما لو أنه يكسر أيضا ما تبقّى من أعراف وحدود.
هناك، لا يعود الضجيج مجرّد خلفية، بل هو اللحظة بين الحياة والموت.. بين أن تخرج من بيتك لتحضر ربطة الخبز، أو تبقى مع أهلك وتموتون جميعاً!
ولا يحتاج المرء إلى كثيرٍ من الشرح ليفهم ما الذي يحدث في الجنوب، على مسافة قصيرة من العاصمة، وعلى تماسٍ دائم مع جغرافيا مفتوحة على الوجع.
هناك، يتقاسم اللبناني والغزّي والفلسطيني ألمًا يكاد يتشابه في ملامحه وتفاصيله فقدان الأحبّة، والنزوح بأجساد لا يسترها أحيانًا سوى بعض القماش، أو بأقدام حافية تركض هربًا من الموت.
في تلك اللحظات، لا يعود الألم خبرًا يُروى، بل تجربة عارية من كل شيء إلّا من الخسارة. البيوت تُهدم فوق رؤوس أصحابها، أما المسعفون فهُم الآخرون أهداف لصواريخهم وتوحُّشهم، وبالطبع يتساوى معهم الصحافيون حتى لا ينقذ أحدٌ مَن يمكن إنقاذه، ولا يبقى شاهدٌ على الوحشية، رغم أنها على شاشات التلفزة ووسائل التواصل السريعة!
في وسط الحمرا، وعلى مسرح متواضع، وقفت مجموعة من أطفال غزة ولبنان تروي قصص الوجع المتساوي، ليهتف أحد الصبية بيده المبتورة بسبب الحرب، ومعه ذاك الطفل الصغير على كرسيه المتحرك، والذي جاء من غزة بعد أن أصيب بشلل كامل بسبب استهدافهم للأطفال، يهتف الصبية والفتيات «من بحر غزة لبحر صور»، ويرددون حكايات الوجع والأمل الذي لا نعرفه نحن المترفون في مقاعد المتفرجين!
عايدة، الطبيبة القادمة من بنت جبيل، كانت تحبس كثيراً من الدمع الساخن وهي تقول: «لم أستطع أن أُلملم بعض ما كنت أتمنى، رغم أنها ليست تجربتنا الأولى. فقدتُ بيتي وكل ما أملك، وأهمّه عيادتي واسوار أمي التي ورثتها عن جدتها الكبرى، في حرب 2006». ثم سكتت، لم تكن بحاجة إلى أن تُكمل، كان صمتها أبلغ من بقية الرواية، وهي ليست وحدها، اسمعوا أصوات نساء الجنوب ونساء غزة كما سمعنا أصوات الأطفال، بل الكثير والكثير يُحكى مع دمع نشف من كثرة البكاء.
هم جميعاً في امتحان صعب لقدرتهم على الحياة، ومع ذلك، يبقى إصرارهم على الاستمرار شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية الصامتة: أن يربّوا أبناءهم، أن يفتحوا نوافذهم، أن يلعبوا الورق أمام بيوتهم مع فنجان قهوة، وأن يزرعوا الزعتر أمام منزلهم الصغير في بلدتهم المطلة على ذاك السهل الذي دمّرت الوحشية كل خضار فيه.
* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية