بقايا خيال: ثقافة الإنقاذ التطوعي
في أواخر خمسينيات القرن الماضي، لم أكن قد تجاوزت الثامنة من العمر عندما كنّا مع شلّة من ربع الفريج نتجه خلال فترة الصيف إلى «ثانوية الشويخ» لممارسة هواية السباحة في حمام هذه الثانوية العريقة، ولا أدري سبب تحويلنا بعد فترة إلى حمام السباحة التابع لمدرسة الشامية المتوسطة للبنين.
الغريب أنه في كلا الحمامين كان اثنان من مدرّسي حصة الألعاب (اليوم يطلقون عليها الرياضة) يقفان على حافة حمام السباحة كمنقذَين يراقبان التلاميذ الذين يسبحون في الحمام أو الجالسين على حافّته، ليكونوا على أهبة الاستعداد لإنقاذ غريق أو تعليم المبتدئين أصول السباحة الآمنة.
والأغرب من هذا أن الغالبية العظمى من التلاميذ لم يكونوا بحاجة إلى دروس في السباحة، لأننا ببساطة شديدة (إحنا أهل بحر)، ومع ذلك تواجد المنقذون لمواجهة أي طارئ، لأنهم يعرفون أن السبب الوحيد للغرق ليس الجهل بكيفية العوم فقط، فهناك مَن يصاب بسكتة قلبية أثناء العوم، أو شدّ عضلي أو هبوط في نسبة السكر، أو إرهاق مفاجئ، أو غيرها من الأسباب.
ولهذا لم نسمع أن أحداً مات غرقاً بحمام السباحة في ذاك الزمن الجميل، بفضل الله، ولوجود هؤلاء المنقذين. لاحظ أنني أتكلم عن حقبة مضى عليها نحو السبعين عاماً، وهي فترة لم يكن أحد حينها يعرف ثقافة الإنقاذ أو أهمية المنقذين.
قبل خمسين سنة شاهدت فيلم الفك المفترس (JAWS)، من إخراج المخرج الشهير ستيفن سبيلبيرغ، ولفت انتباهي وجود أكثر من منصة إنقاذ على شاطئ جزيرة أميتي السياحية لمراقبة كل الموجودين على الساحل، من أجل التدخل في الوقت المناسب لإنقاذ أحد مرتادي الشاطئ من موت محقق.
والأميركيون يعرفون أنه يُشترط وجود منقذين ومسعفين عند أي حمام سباحة عام، وهي أماكن غالباً ما يرتادها الذين يعرفون العوم، فما بالك بساحل البحر الذي يكثر فيه جهلاء مخاطر البحر؟
قبل أيام وقعت مأساة لأسرة كانت تستمتع بأجواء البحر خلال العيد بمنطقة الخيران، عندما توفي شاب وهو يحاول إنقاذ ابنته، ويبدو أنه أصيب بنوبة سكر بعد أن نجح في إنقاذها، وقبل أن يخرج من البحر.
لا أعتقد أن الدولة وفّرت منقذين ومسعفين على أي من السواحل الكويتية، لأنّ المسألة لا تتعلق بمعرفة أصول السباحة الآمنة فقط، ولكن تسبقها معرفة مبادئ إنقاذ الغرقى ومبادئ الإسعافات الأولية في مثل هذه الظروف، حتى لا يتسبب من يجهل أصول الإنقاذ والإسعاف في موت غريق كان يمكن إنقاذه.
القضية لا تتعلق بمبدأ «قدّر الله وما شاء فعل»، فهذه حقيقة نعرفها منذ الأزل، ولكن كان من باب أولى في حالات كهذه أن «نزهب الدوا قبل الفلعة»، ولأن هذا المبدأ أفضل من «الوقاية خير من العلاج». أقول هذا لأنني أومن بالله وبما جاء في كتابه العزيز أن مَن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.
فهل تدفع هذه المأساة حكومتنا الرشيدة لاعتماد مسألة المنقذين والمسعفين على الشواطئ العامة في الكويت، حتى لو كان من باب التطوع؟ خاصة أننا مقبلون على صيف حار قد يتطلب إنقاذ مصاب بضربة شمس، وليس بالضرورة إنقاذ غريق.