تقرير محلي: المجلس البلدي... المشكلة ليست في الانتخابات
جاءت المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 59 لسنة 2026 محمِّلةً «صندوق الاقتراع» وحده مسؤولية ما شاب أداء المجلس البلدي من قصور، معتبرةً إياه مجرد «مجلس فني خدمي» تسببت الانتخابات في إضعافه، عبر إفراز أعضاء غير أكفاء!
غير أن القراءة الفاحصة والمتأملة لهذا التبرير تكشف عن قصور حاد في إدراك واقع العمل البلدي وفلسفته، فالمجلس البلدي ليس مجرد مكتب استشاري هندسي، بل هو نبض الشارع وعين الأمة على أدق تفاصيل حياتها اليومية.
تاريخياً، يعد «البلدي» أول مجلس منتخب في تاريخ الكويت، كما أن البلدية هي الجهة الوحيدة في الدولة، التي خُصِّص لها مجلس يراقب أداءها، وذلك لأهمية وخطورة الصلاحيات الممنوحة لها، فهي الجهة التي تشرف على كل شيء، بدءاً من تنظيم المباني والمخطط الهيكلي للدولة، مروراً بسلامة الغذاء وصحة الإنسان، وصولاً حتى إلى المقابر وحرمتها.
من هنا كان المشرِّع واعياً منذ البداية لهذه الطبيعة الحيوية، فصاغ تركيبته بذكاء وتوازن، بالجمع بين عشرة أعضاء منتخبين وستة معيّنين... هذا التنوع كان ضرورة لضمان وجود الكفاءات الفنية إلى جانب المراقبة الشعبية اللصيقة بمصالح الناس.
أما تبرير المذكرة الإيضاحية بأن التجربة الانتخابية أفرزت أعضاء غير أكفاء، فهو حكم مجافٍ للواقع وغير منصف، وينطوي على انتقائية واضحة.
فإذا كان الصندوق قد أفرز في بعض المحطات خيارات محكومة باعتبارات فئوية أو قبلية أو طائفية، فإن كثيراً من التعيينات لم تكن هي الأخرى معصومة من الخطأ، فهناك من تم تعيينهم باعتبارات المحاصصة والواسطة والترضيات السياسية، دون أي ميزة فنية تُذكَر.
وفي المقابل، كما يزخر تاريخ «البلدي» في فصوله المتتالية بنماذج منتخبة مشرّفة قادت التطوير العمراني، وحاربت فساد البلدية، فإنه يزخر أيضاً بكفاءات معيّنة مخلصة، ولعل التناغم في المجلس الأخير خير دليل على ذلك.
لكن علاج الخلل الفني في عمل المجلس -إن وجد-، لا يكون بإلغاء الانتخابات، بل برفع جودة العضوية، عبر وضع اشتراطات أكثر صرامة في الترشح والتعيين تتناسب مع العمل البلدي، تقضي على فئوية الاختيارات ومحسوبية التعيينات، أما تحويله إلى جهاز مُعيَّن بالكامل، فهو خيار يجعله مجرد دورة مستندية زائدة وبيروقراطية معطلة في آلية اتخاذ القرار.
فالمجلس المُعيَّن لن يكون في نهاية المطاف سوى منفذ لإرادة الوزير المختص الذي يملك سلطة ترشيحهم للتعيين وإقالتهم، وعندها يفقد المجلس مبرر وجوده، ويكون إلغاؤه أولى من بقائه كديكور بلا أنياب.