نسيان لا يتذكره أحد
بعد هزيمة الإنسان في داخله، تبدأ هزيمة أخرى أكثر هدوءاً، لا تسكن فرداً واحداً، بل تتسرَّب ببطء، حتى تصل إلى ذاكرة مجتمعٍ كامل؟ متى آخر مرة قلت فيها «تعوَّدنا»؟
غالباً لن نتذكَّر، لأننا نقولها كثيراً، وبسهولة أكبر مما ينبغي. نقولها ثم نُكمل يومنا، كأنها إجابة كافية أو نهاية مناسبة لأي سؤال، لكنني توقفت عند هذه الكلمة آخر مرة، وسألت نفسي: منذ متى أصبح الاعتياد تفسيراً لكل شيء؟!
لا يحدث فقدان الذاكرة ولا النسيان بالطريقة التي نتخيلها. لا يأتي في لحظةٍ واضحة تستطيع أن نشير إليها ونقول هنا بدأ كل شيء، لكنه غالباً يصل بهدوء شديد، ويتسلل إلى حياتنا من تفاصيل صغيرة لا تبدو مهمة بما يكفي لكي نتوقف عندها.
ربما يبدأ بتغيُّر بسيط في الكلمات، أو بعادات يومية بسيطة، أو بطريقةٍ مختلفة لطرح الأسئلة، أو بأفكارٍ نسمعها كثيراً حتى نتوقف عن التفكير فيها. في البداية لا يبدو الأمر مقلقاً، فالعالم يتغيَّر بسرعةٍ شديدة، والحياة لا تبقى على حالها.
لكن المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل فيما يفعله بنا التكرار، فالإنسان يعتاد أكثر مما يظن، يعتاد المشاهد المتكررة، والأفكار المتكررة، وحتى الأشياء التي كان يرفضها أو يستغربها يوماً ما.
يحدث النسيان أحياناً بطريقةٍ بسيطة جداً. نستغرب شيئاً في البداية، ثم نُناقشه في المرة الثانية، ثم نتقبله في الثالثة، وبعد سنوات ننسى أننا استغربناه أصلاً!
فالأفراد لا يتغيَّرون وحدهم، فهم لبنة وأساس المجتمعات، وأي تغييرٍ في الفرد هو تغيير لمجتمعٍ كامل ببطء وبهدوء، فالتفاصيل الصغيرة التي يكررها الناس كل يوم، والأفكار التي تبقى وتختفي، والأشياء التي نتوقف عن ملاحظتها لأننا اعتدنا وجودها... كلها تؤدي إلى فقدان ذاكرة.
والذاكرة لا تضيع حين تختفي الأشياء فقط، بل حين يمرُّ التغيير أمامنا مرات عديدة، حتى نتوقف عن ملاحظته أصلاً، ثم تظهر أجيال جديدة تنظر إلى المشهد كما هو، وتظنه الشكل الطبيعي والوحيد للحياة، لا لأنها اختارت ذلك، لكن لأنها لم تعرف صورةً أخرى تقارن بها، وهنا يبدأ الفقد الحقيقي. ليس حين تختفي الأشياء، وإنما حين يختفي الإحساس بغيابها، حين يُصبح الصمت عادياً، وتُصبح الأسئلة المؤجلة جزءاً من المشهد، ويُصبح ما اعتدناه حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة.
فالمجتمعات لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة، والشعوب لا تستيقظ لتكتشف أنها تغيَّرت بالكامل، وإنما يحدث ذلك ببطء شديد، حتى يأتي يوم يبدو فيه كل شيء طبيعياً، فيما تكون أشياء كثيرة قد غادرت بهدوء، عادات، وقِيم، وأخلاق، ومبادئ، وتفاصيل صغيرة، كانت يوماً جزءاً من شكل الحياة، من دون أن يُلاحظ أحد غيابها.
الحقيقة أن المشكلة ليست في أن ننسى، لكن أن ننسى أننا نسينا، لأن أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان، وربما المجتمع أيضاً، ليس الأشياء نفسها، بل ذاكرته عنها. وربما لذلك على الإنسان أن يتوقف بين فترةٍ وأخرى ليسأل نفسه بصدق سؤالاً بسيطاً: هل هذا أنا أم ما اعتدنا عليه، أم فقط أصبح معتاداً؟ لأن بعض الخسارات لا تؤلم لحظة حدوثها، لكنها تؤلم حين نتذكَّر متأخرين أن شيئاً مهماً غادر ولم ننتبه لرحيله.