أُمنية العيد... في هذا الصيف المشتعل

نشر في 27-05-2026
آخر تحديث 26-05-2026 | 18:58
 ضاري المير

في هذا الصيف المشتعل، لم يعد العيد يُشبه العيد. الفرح صار باهتاً، والناس تدخل أيامه مثقلة بالخوف والضيق والغضب، وكأن المنطقة كُلها تعيش فوق برميل بارود ينتظر الانفجار الكبير. 

في غزة، لا يوجد عيد أصلاً. هناك شعب يُذبح على الهواء مباشرةً، مدينة كاملة تُسحق، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، وأمهات يودِّعن أبناءهن بأعين جافة من كثرة البكاء. العالم يشاهد، يندِّد، ثم يعود إلى مصالحه وصفقاته، وكأن الدم الفلسطيني مجرَّد خبرٍ عابر في نشرات المساء. 

الأبشع ليس فقط القصف، بل الاعتياد عليه. أن يصبح مشهد الجثث أمراً يومياً، وأن تتحوَّل المجازر إلى أرقام، وأن يُترك شعب كامل بين الحصار والجوع والموت فيما الجميع يتحدَّث عن «ضبط النفس»، و«الحلول الدبلوماسية». أي دبلوماسية هذه التي تُبنى فوق جماجم الأطفال؟ وفي الجهة الأخرى، المواطن العربي يعيش حصاراً مختلفاً، لكنه لا يقل قسوة. الغلاء ينهش الناس بلا رحمة، الرواتب تتآكل، الديون تخنق البيوت، والطبقة المتوسطة تُدفن ببطء تحت قرارات اقتصادية لا يشعر أصحابها أصلاً بمعاناة الشارع. أصبح المواطن محاصراً من كل اتجاه، إن تكلم اتُّهم، وإن صمت اختنق، وإن حلم بحياة كريمة قيل له: «تحمَّل الظروف». لكن إلى متى؟ إلى متى يبقى الإنسان العربي مجرَّد مشروع صبر مفتوح بلا نهاية؟ 

المشكلة الحقيقية أن كثيراً من الحكومات لا تُدرك أن الضغط المستمر يولِّد الانفجار. الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها حين تفقد الأمل تُصبح أكثر خطورةً من الفوضى نفسها. فلا يمكن بناء استقرار حقيقي فيما المواطن يشعر بأنه مُستنزف نفسياً واقتصادياً وسياسياً كل يوم. 

غزة اليوم ليست فقط مأساة فلسطين، بل هي إنذار لكل المنطقة. إنذار بأن الظلم حين يُصبح طبيعياً، والقهر حين يتحوَّل إلى سياسة، والصمت حين يُصبح لغة رسمية، فإن الجميع سيدفع الثمن عاجلاً أو آجلاً. 

وفي وسط هذا الخراب كله، تأتي أُمنية العيد بسيطة، لكنها مُوجعة: أن يتوقف هذا العالم عن قتل الإنسان. أن تتوقف المجازر في غزة. أن يشعر المواطن العربي أنه ليس مجرَّد رقم في ميزانية أو ضحية لقرارات فوقية. أن يفهم أصحاب القرار أن الأمن الحقيقي لا يُصنع بالقمع والتضييق، بل بالعدالة والكرامة واحترام الإنسان. 

في هذا الصيف المشتعل، لم تعد أُمنية العيد بيتاً جديداً أو سفراً أو رفاهية. أصبحت الأمنية الوحيدة، أن نعيش كبشر، لا كضحايا مؤجلين.

back to top