من دعاء الأعراب في يوم عرفة

نشر في 26-05-2026 | 11:46
آخر تحديث 26-05-2026 | 11:46
 أ. د. محمد حسان الطيان

 

عكفت في يومٍ من أيام عرفة، في الأعوام السابقة، على كتب الأدب أستنطقها ما يمكن أن أشارك به في برنامج طريق الإيمان الذي تبثُّه إذاعة القرآن الكريم في دولة الكويت مساءَ كل يوم، بعد اتصال كُلِّفْتُ فيه بالكلام على أدبيات يوم عرفة، ووجدتني أتنقَّل بين حدائقَ ذاتِ بهجة، أشتمُّ من ههنا أريجَ زهرة، وأتنسَّم من ههنا عبير وردة، وأجتني من ثمَّ جَنِيَّ ثمرة، وأقتطف من هناك شَهِيَّ فاكهة...إلى أن استوقفني باب في كتاب العقد الفريد، يحمل عنوان:«قول الأعراب في الدعاء» ملك عليَّ أقطار نفسي، فوجدتني أطَّرِحُ كل ما جمعته من طيِّب الكَلِم.. ورائق الشعر.. وبديع النثر.. لأفرغ لأدعية الأعراب في يوم عرفة، وأنا أشهد أني لم أقرأ في أدبيات هذا اليوم الأغرّ – بعد كلام الله جل وعلا، وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم – أصدقَ لهجةً.. ولا أعلى بيانًا.. ولا أحلى لفظًا.. ولا أطرفَ معنىً.. من دعاء الأعراب هذا. ولا غَرْوَ فهو يَصْدُرُ عن فِطْرةٍ صافيةٍ.. وإيمان راسخ.. وقلوب صادقة.. ونفوس شفافة.

ورغبةً مني في أن أُشْرِكَ القارئَ الكريمَ في بعض ما ذقته من متعة روحية، وسمو أدبي أسوق له نماذج من هذا الدعاء.

قال سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: سمعت أعرابيًا يقول عشية عَرَفة:

اللهمّ، لا تحرِمْنِي خيرَ ما عندك لِشرِّ ما عندي، وإن لم تتقبَّلْ تَعبِي ونَصَبي فلا تَحْرِمني أَجْرَ المصاب على مصيبته؛ فلا أعلم مصيبةً أَعْظَمَ ممّن وَرَد حَوْضك وانصرف مَحْرومًا من سَعة رَحمتك.

قال: وسمعت أعرابيًا في الموقف جاثيًا على ركبتيه يقول:

يا رب! عجَّت إليك الأصوات بأنواع اللغات لطلب الحاجات، وحاجتي أن تذكرني بعد طول البلاء إذ نسيني أهل الأرض.

ودعا أعرابيّ وهو يَطوف بالكَعْبة، فقال:

اللهم إِنّا أطعناك في أحبِّ الأشياء إليك، شَهادِة أنْ لا إله إلّا أنت وَحْدَك،

لا شريكَ لك، ولم نَعْصِك في أبغض الأشياء إليك، الشَّرْكِ بك، فاغفر لنا ما بين ذلك.

وقد روى الأصمعي في هذا الباب جملة من المواقف، تعد من نوادره، فمن ذلك أنه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول في دُعائه:

اللهم إنَّ ذُنوبي إليك لا تَضرّك، وإن رحمتك إياي لا تَنقُصُك، فاغفر لي ما لا يَضرُّك، وهَب لي ما لا يَنْقُصُك.

ومن ذلك قوله: وسمعتُ أعرابيًا يقول:

اللهم إنَ أقوامًا آمنوا بك بألسنتهم ليَحْقِنُوا دماءَهم، فأدْرَكوا ما أمَّلوا، وقد آمَنّا بك بقِلوبنا لتُجِيرَنا من عَذابك، فأدرك بنا ما أمَّلنا.

ومن ذلك أنه قال: ورأيتُ أعرابيًا متَعَلِّقًا بأستار الكَعْبة رافعًا يَديه إلى السماء وهو يقول:

رَبّ، أتُرَاك مُعَذِّبَنا وتَوْحِيدُك في قَلوبنا وما إخالك تفَعل، ولئن فعلتَ لَتَجمعننا مع قوم طالما أبْغضناهم لك.

وقال أيضا: سمعتُ أعرابيًا يقول في صَلاَته:

الحمدُ للّه حَمْدًا لا يَبْلَى جَدِيدُه، ولا يُحمى عَدِيدُه، ولا تُبْلغ حُدودُه.

اللهم اجعل الموتَ خيرَ غائب نَنْتظره، واجعل القبرَ خير بَيْت نَعْمُره، واجعل ما بعده خيرًا لنا منه.

اللهم إنّ عينيّ قد اغْرَوْرقتا دُموعًا من خَشْيتك، فاغفر الزلَّة، وعُدْ بِحِلْمك على جَهل مَن لم يَرْجُ غيرَك.

وقال أيضًا: وَقف أعرابيّ في بَعض المواسم فقال:

اللهم إنّ لك عليّ حُقوقًا فَتَصدّق بها علِيَّ، وللناس قِبلي تَبِعاتٍ فتَحمّلها عنّي، وقد وَجَب لكل ضَيْف قِرَى، وأنا ضَيفُك الليلة، فاجعل قِراي فيها الجنَّة.

ومن أرقِّ ما قرأت له قولُهُ: ورأيتُ أعرابيًا أخذًا بِحَلْقَتي باب الكَعْبة وهو يقول:

سائلُك عَبْدٌ ببابك، ذهبت أيامُه، وبقيت آثامه، وانقطعت شَهوتُه، وبقيت تَبِعته، فارضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعفُ عنه، فقد يعفو المولى عنْ عبده وهو عنه غيرُ راض.

ودعا أعرابي فقال:

اللهمَّ إني أعوذ بك أن أفتقرَ في غِنَاكَ، أو أضلّ في هدَاك، أو أذِلّ في عزّك، أو أُضامَ في سُلطَانك، أو أُضْطَهد والأمرُ إليك.

وبعد فإن هذا باب كبير رغّب فيه كثير من أهل العلم والمعرفة والذوق والبيان، فقد قال عمرُ بن عبد العزيز رَضي الله عنه: ما قَوْم أَشْبَه بالسلف من الأعراب لولا جَفَاءٌ فيهم. وقال غَيْلان: إذا أَردتَ أن تَسْمع الدُّعاء فاسمع دُعاء الأعراب.

وقال الجاحظ:

إنّه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتَعُ ولا أنفع ولا آنَقُ، ولا ألذُّ في الأسماع، ولا أشدُّ اتصالًا بالعقول السليمة، ولا أفْتَقُ للِّسان، ولا أجودُ تقويمًا للبيان، مِن طول استماعِ حديثِ الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماءِ البلغاء.

ولا أحب أن أنهي كلامي عن دعاء الأعراب دون أن أروي أطرف ما قرأته في هذا الباب، وهو أن أعرابيًّا حجّ فدخل مكة قبل الناس، فقال:

اللهمَّ اغْفِرْ لي قبل أن يدهمَكَ النّاس.

 

 

back to top