خارج الحشد أو حشد مع الناس

نشر في 25-05-2026
آخر تحديث 24-05-2026 | 18:27
 خولة مطر

تبحث عن التفصيل تتوه في عزلتك أحياناً ليس لأنك ربما تختلف في الرأي أو حتى في اللغة واختيار المفردات والمناسبات، وتطول القائمة فتقف لتقول أو يقولون «ربما كبرنا ولم نعد ننفع لهذا الزمن». ويقول آخرون «انت لسه فاكر ان هناك قيم ومبادئ»، وإن القيمة كما تقول كثير من أمثلتنا العربية في المضمون وليس المظهر؟ تقف حائراً وأنت تراقب جيلاً جديداً يكبر في ظل التيه، أو ربما زمن العتمة التي لم نتصورها ونحن نشاهد أفلام الخيال العلمي منذ أكثر من أربعين عاماً. حينها كان الانبهار بكل ما تقوم به هوليوود قد أعمى العيون أو رسم صورة للدنيا، الأرض والسماء وما بينهما كما لا نعرفها أو حتى نتصورها. كثير من أجيالنا لولا بعض الاحتكاك والقراءة وربما المعلمون الحق لكنا قد سقطنا في متاهات الانبهار بما توزعه هوليوود حتى أحياناً للدول الفقيرة دون مقابل. تطاردك أشباح تطرح الأسئلة أو تواجهك بواقع قد لا تصبو له أو ربما لا يشبهك أو حتى لا تريد أن تكون جزءاً منه.

حصار هو ربما ليس سياسياً، أو ثقافياً، أو بصرياً، أو فنياً، أو معمارياً، أو حضارياً أو حتى في تحريف سرديات، بل هو يصل حتى ليكون حصاراً اجتماعياً يبدو فيه أن تكون موجوداً أو تتحول إلى مخلوق لا مرئي، حتى لو كنت تقف أمام جمع منهم بكامل زيك وعدتك المظهرية! فأنت لا شيء دون بعض مظاهر تحمل أحرفاً أو أسماء أو أنماطاً يعني «براندز»! تتصارع الأسئلة في الرؤوس وبين بعض البعض فهل تقاوم في السياسة والثقافة والحياة ونمط النمو لا التنمية أو الإعمار كما يحبون أن يطلقوا عليه رغم أنه أقرب إلى الدمار لا الإعمار، وأيضاً أن تقاوم في الحب، أم تتأقلم أو هو بالأصح تمتثل أو ربما تنصاع وتسير مع «الحشد»... كيف تواجه حرياتك في التفكير والانفتاح والحب بطريقتك وحتى لبسك اليومي. 

صور وقوالب جاهزة تحاصرك كل يوم في الشكل والمضمون في الفكر والموقف في المبدأ والانجرار خلف الجمع، ألم يكتب محمود درويش «أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم». تستغرب لأنك في كل مرحلة يواجهونك بعد ملاحظاتك على بعض التغيرات أو نقدك لممارسات أو مواقف بالقول والنصح «تأقلم»!. تلاحقنا النصائح من كل اتجاه: تأقلم مع الوضع العام، اندمج، لا تكثر من الأسئلة، لا تُتعب نفسك بمقاومة ما يبدو أنه أصبح «طبيعياً». تأقلم اجتماعياً مع ما يفرضه الجمع، سياسياً مع ما يفرضه الواقع، ثقافياً مع ما يُسوَّق باعتباره الحداثة، بصرياً ومعمارياً وفنياً مع ما يُعاد إنتاجه والخروج عنه هو نوع من الشذوذ. وكأن المطلوب منا أن نذوب في المشهد لا أن نتأمله أو نراجعه. حتى الأمثلة كانت توجه باتجاه أو تفسر على أن التأقلم هو الحل وهو الأمثل لحياة مريحة «سليمة وسالمة»! ألا يقول المثل «حشد مع الناس عيد»؟ وكأن السلامة هي في الاندماج وأن الطمأنينة في ألا نختلف أو نطرح الأسئلة. وأن تتنازل عن هويتك الخاصة جداً، عن شخصك، عن تفاصيلك الصغيرة التي تشكلك، عن حقك في أن تقول نعم أو لا وعن كل ذلك الذي يسمى عيداً مع الحشد فيما هو ربما تآكل بطيء للذات حين تبدأ الحكاية بتنازل صغير، يبدو عابراً، أو غير مؤذٍ، ثم يتحول مع الوقت إلى اعتياد فتعتاد أن تصمت وأن تشبه الجمع أو الحشد!

* يُنشَر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

back to top