على الطريق: حين يتصدر المهرجون المشهد
وسائل التواصل الاجتماعي بكل أشكالها لم تعد منصات للتواصل وتبادل المعرفة بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات يتصدرها من لا يملك فكراً أو معلومة أو محتوى هادفاً، يهرف بما لا يعرف، يتحدث في كل القضايا، تجده سياسياً في الشأن السياسي، ورياضياً في الشأن الرياضي، واقتصادياً في الاقتصاد، وهكذا مجرد إثارة وضجيج، بينما في الجانب الآخر تراجع أصحاب الفكر والخبرة ونخبة المجتمع إلى الصفوف الخلفية، ولم يعد يؤخذ بآرائهم في القضايا التي تهم المجتمع. والمؤسف أن بعض الشخصيات التي أصبحت تؤثر في الرأي العام لا تملك علماً ولا تجربة ولا مسؤولية ولا قبولاً، بل تعتمد على الجدل والاستعراض وجذب الانتباه بأي وسيلة حتى لو كان ذلك على حساب الذوق العام وقيم المجتمع.
الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الجهات والمسؤولين باتوا يمنحون هؤلاء الأراجوزات أهمية تفوق حجمهم الحقيقي فيتم تزويدهم بالأخبار والمعلومات والتعامل مع آرائهم وكأنها تمثل صوت المجتمع بأكمله. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فحين تتحول الشهرة الرقمية إلى معيار للتأثير يصبح عدد المتابعين والأرقام أهم من الكفاءة والخبرة والمصداقية.
هذه الظاهرة لا تعكس فقط خللاً في محتوى المنصات بل تكشف أيضاً عن أزمة في الوعي العام، فالجمهور هو من يصنع هؤلاء وكل متابعة أو إعادة نشر أو تفاعل تمنحهم مساحة أكبر للانتشار، ولو أن المجتمع اتجه لدعم أصحاب الفكر والمحتوى الهادف والمعرفة والإنجاز الحقيقي لتغير المشهد بشكل كبير، ولأصبح الحضور للأسماء التي تقدم قيمة حقيقية بدلاً من صناعة الجدل الفارغ.
ولا يعني ذلك رفض وسائل التواصل أو التقليل من أهميتها فهي أدوات مؤثرة يمكن أن تكون منابر للوعي والثقافة والمعرفة لكنها تحتاج إلى مسؤولية مجتمعية تتمثل في الاستخدام سواء من صناع المحتوى أو من المتابعين أنفسهم، كما أن للإعلام دوراً مهماً في إعادة التوازن عبر تسليط الضوء على النماذج الإيجابية وأصحاب الاختصاص وكشف المحتويات الهابطة التي تساهم في تراجع الذوق العام وتشويه وعي الأجيال.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالرفض أو الغضب والاستنكار فقط بل بالمقاطعة الواعية وعدم منح الشهرة لمن لا يستحقها، فالمتابعة قوة والمشاهدات نفوذ، والجمهور يملك القدرة على إعادة كل شخص إلى حجمه الحقيقي، وعندما يدرك الناس أن الشهرة ليست دليلاً على القيمة سيعود للمشهد توازنه الطبيعي، وسيتقدم أصحاب الفكر والخبرة إلى المكان الذي يستحقونه.