عندما تراهن منظمة الصحة العالمية على الطب الدقيق
عندما يزور مريضان العيادة نفسها ويعانيان المرض ذاته، فإن المنطق التقليدي في الطب يفترض غالباً أنهما سيحصلان على العلاج نفسه. لكن الطب الحديث بدأ يبتعد عن هذه الفكرة تدريجياً. فلكل إنسانٍ تركيبته الجينية الخاصة، وبيئته المختلفة، ونمط حياته الفريد، واستجابته المختلفة للأدوية والعلاجات.
من هنا ظهر مفهوم الطب الدقيق (Precision Medicine)، وهو نهج طبي يعتمد على دمج المعلومات الجينية والسريرية والبيئية والبيولوجية لتقديم الوقاية أو التشخيص أو العلاج الأنسب لكل فرد، بدلاً من تطبيق نموذجٍ علاجيٍ واحد على الجميع.
وفي خطوة تاريخية تعكس التحوُّل العالمي نحو هذا النهج، اعتمدت جمعية الصحة العالمية في دورتها التاسعة والسبعين، المنعقدة في جنيف بسويسرا، أول قرارٍ عالمي مخصص للطب الدقيق.
ويُعد هذا القرار محطة مهمة في مسيرة الرعاية الصحية الحديثة، إذ يؤكد أن الطب الدقيق لم يعد مشروعاً بحثياً أو تقنية مقتصرة على المراكز المتقدمة، بل أصبح جزءاً من الرؤية العالمية لتحقيق تغطية صحية أكثر فاعلية وعدالة واستدامة، ويمثل انتقالاً من الطب التفاعلي الذي ينتظر ظهور المرض إلى طب أكثر قدرةً على التنبؤ والوقاية والاستهداف المبكر للعلاج.
القرار دعا الدول إلى بناء استراتيجيات وطنية للطب الدقيق، والاستثمار في البنية التحتية الجينية والرقمية، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات الجينوميات والمعلوماتية الحيوية وتحليل البيانات، مع ضمان الحوكمة الأخلاقية وحماية خصوصية المرضى والعدالة في الوصول إلى هذه التقنيات. كما شدَّد على أهمية تمثيل مختلف الشعوب والمجتمعات في قواعد البيانات الجينية العالمية، لضمان استفادة الجميع من ثمار الثورة الجينومية.
وفي الحقيقة، فإن الكويت ليست بعيدة عن هذا التوجه العالمي. فخلال السنوات الأخيرة بدأت ملامح الطب الدقيق تظهر بشكلٍ عملي في عددٍ من المبادرات الوطنية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك العيادة الوطنية لمرض الكلى متعددة الكيسات الوراثي في مستشفى مبارك، والتي تعتمد على دمج المعلومات الجينية مع المؤشرات السريرية والتصوير بالرنين المغناطيسي لتقييم خطر تطور المرض، وتحديد المرضى الأكثر استفادة من العلاجات الحديثة.
هذا النموذج لا يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى إلى فهم الاختلافات الفردية بين المرضى، والتنبؤ بمسار المرض، واختيار التدخل المناسب لكل حالة.
إن اعتماد منظمة الصحة العالمية لهذا القرار يبعث برسالةٍ واضحة: مستقبل الطب لن يكون قائماً على علاج المرض بعد حدوثه فقط، بل على فهم الإنسان بصورة أكثر دقة. فالهدف لم يعد مجرَّد وصف الدواء المناسب للمرض، بل إيصال العلاج الصحيح إلى المريض الصحيح في الوقت الصحيح. وهذه هي الفلسفة التي يقوم عليها الطب الدقيق، والتي قد تمثل أحد أهم التحوُّلات الصحية في القرن الحادي والعشرين.