ربّ ضارة نافعة
عنوان المقالة هو مثل قديم يستخدم في حالات كثيرة عندما تتحسر أو تحس بالقهر على موضوع معين، مثل طعنة بالظهر من أحد أقاربك المقربين أو صديق وثقت به واستثمرت الكثير من نفسك في علاقتك معه وفجأة يبتعد عنك، أو وظيفة لم تحصل عليها أو سفرة تم إلغاؤها، ولكن يثبت لك الزمن أن ما حصل هو كان فعلاً لمصلحتك وعليك أن تسعد بما نتج عنه.
من هذا المنظور يمكننا أن نرى مما حصل في هذه الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى أن النظام الإيراني أثبت وللمرة المليون، ولكن هذه المرة بشكل قاطع، أنه نظام لا يمكن الوثوق به، وأن دول الخليج العربي عليها أن تضمن أمن وسلامة أراضيها وسمائها كوحدة واحدة متكاملة. هذه الحرب التي لم تردها أو تبتغها دول الخليج العربي أثبتت نوايا النظام الإيراني مباشرة وليس من خلال أدواتها التي انتشرت وعبثت في بعض البلدان العربية. وهنا تأتي الفرصة لدول الخليج العربي لتبني منظومة دفاعية جديدة تضمن سلامتها المستقبلية من مثل هذه الاعتداءات الغاشمة، وعليه رب ضارة نافعة لكي نستفيد من الدرس ونضع الحلول التي تضمن لنا الأمن والاستقرار المستقبلي للمنطقة.
كذلك هو الحال فيما يخص إسرائيل، حيث إنه بالرغم من الكارثة الإنسانية التي حدثت في قطاع غزة وأعداد القتلى والجرحى والدمار الذي نتج من وحشية حكومة الكيان الصهيوني فإن هذه التضحيات من الشعب الفلسطيني لم تذهب هباءً منثوراً، حيث بدأت تظهر التصدعات في جوهر قوة إسرائيل ألا وهو الرأي العام الأميركي حول ماهية هذا الكيان، وكيف بدأ؟ وكيف كان يستنفد الأموال الأميركية طوال هذه العقود؟ أموال كان أولى بها الشعب الأميركي بدلاً من صرفها على كيان عنصري دموي غير أخلاقي.
وبنفس الوقت بدأ نزع القناع عن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بدأ بعض السيناتورات الأميركيين برفض الدعم المالي من اللوبي الصهيوني «آپاك»، وبدأت تتسع وجهة النظر الجديدة المعادية للصهيونية في الرأي العام الأميركي، سواء من الإعلاميين الجمهوريين أو الديموقراطيين على حد سواء، وكذلك على المستوى العالمي، حيث أدت وحشية هذه المجازر بحق الشعب الفلسطيني إلى إدانات دولية وتحقيق من محاكم قضائية عالمية أدّت إلى إصدار أوامر بالقبض على مجرمين بالحكومة في الكيان الصهيوني وعلى رأسهم نتنياهو.
وحتى في إسرائيل نفسها نجد العديد من المثقفين الإسرائيليين وسياسيين سابقين وصحافيين ينتقدون وبشدة ما يفعله الكيان الصهيوني من جرائم في حق الشعب الفلسطيني، وبدأ الصراع النفسي عند الكثير منهم بين أخلاقيات اليهودية التي يؤمنون بها وبين الإجرام الصهيوني الذي يشهدونه، وبذلك بدأت الذات اليهودية الصهيونية، التي ولد عليها الكيان الصهيوني، بالتآكل والتفكك حتى وإن كان ذلك في بدايته ولكنها بداية في الاتجاه الصحيح، وعليه رب ضارة نافعة.
هناك أمور كثيرة تعاني منها البشرية بسبب أنظمة سياسية أصبحت تحكم وتستبد شعوبها أو فئات معينة منها، وتبعث روح التطرف والكراهية والتفرقة والفوضى العالمية في العلاقات الدولية، وتستبدل كل ما هو منطقي وعلمي بكل ما هو لا معقول وغير عقلاني، ولكن في بعض الأحيان نحتاج إلى الوصول للقاع قبل أن تنهض الشعوب وتدافع عن حقوقها وكرامتها وتفرض التغيير اللازم لإعادة العالم إلى وضعه الطبيعي.
اللهم احفظ الكويت وشعبها وقيادتها السياسية واحفظ دول الخليج العربي كافة من كل مكروه.