جمهورية الألقاب المزورة... حين يتحول الكذب إلى هوية
في الكويت، لم تعد المشكلة مجرَّد مبالغة في التوصيف، بل انفلاتاً كاملاً للمعنى. الألقاب لم تعد تُمنح، بل تُفبرك، وتُشترى، وتُسوَّق، وتُلبس كأقنعة تُخفي فراغاً علمياً وأخلاقياً.
نحن لا نتحدَّث عن حالات فردية، بل عن ظاهرة تتضخم يوماً بعد يوم، حتى بات الكذب فيها أسلوب حياة. «دكتور فخري» أصبح أقرب إلى بطاقة عبور للاحتيال. يُستخدم لتضليل الناس، ولجمع الأموال، ولفرض حضورٍ وهمي في الإعلام والمجتمع. لا شهادة، لا بحث، لا إنجاز... فقط لقب يُرفع كراية زائفة. وهذه ليست سذاجة من المجتمع فقط، بل جرأة وقحة من مدَّعيه.
أما لقب «سفيرة فوق العادة»، فصار يُمنح وكأنه شهادة مشاركة في نشاطٍ اجتماعي! بلا اعتماد رسمي، وبلا صفة دبلوماسية، وبلا أي مسؤولية. مجرَّد كلمات كبيرة تُستخدم لتضخيم أشخاصٍ عاديين إلى حد الوهم.
هذا العبث لا يسيء فقط للدبلوماسية، بل يفرغها من قيمتها، ويحوِّلها إلى مهزلة.
وفي الجانب الاجتماعي، يتم العبث بالألقاب وكأنها زينة تُرتدى. استغلال واضح لتاريخ ومكانة، وتحويلهما إلى وسيلة نفوذ كاذب. هذه ليست «حُرية شخصية»، بل تزوير اجتماعي مكشوف.
لكن الأخطر، والأكثر وقاحة، أن هذه الألقاب أصبحت أدوات نصب حقيقية، يدخل بها البعض إلى الناس بثقةٍ مصطنعة، يستغلون الاحترام المجتمعي، ويحوِّلونه إلى بابٍ للسرقة والاستغلال.
هنا لا نتحَّدث عن «مظهرٍ اجتماعي»... نحن أمام جريمة مكتملة الأركان. الأمر لم يعد يحتمل المجاملة أو الصمت. هذه فوضى يجب أن تُكسر بالقانون. نحتاج إلى تشريعات صارمة تجرِّم انتحال الألقاب بشكلٍ واضح، وتفرض عقوبات رادعة تصل إلى السجن والغرامات الكبيرة لكل مَنْ يستخدم لقباً وهمياً لتحقيق منفعة. كما يجب ملاحقة الجهات التي تبيع هذه الألقاب وكأنها شهادات، وإغلاقها من دون تردُّد.
المجتمع أيضاً شريك في هذه الكارثة حين يصفق وينبهر من دون تحقق. الانبهار الساذج هو الوقود الحقيقي لهذه الظاهرة. لا قيمة لأي لقب من دون سندٍ حقيقي، ولا احترام لمن يختبئ خلف مسمَّى مزيف.
باختصار: ما يحدث ليس «هوس ألقاب»، بل هو انهيار في معايير الصدق. وإذا لم تتدخل الدولة بحزم، فإننا سنستيقظ على مجتمعٍ تُدار فيه الثقة بالكذب، وتُشترى فيه المكانة بالأوهام.
الردع لم يعد مطلباً، بل أصبح واجباً. ومَنْ لا يُردع اليوم، سيتمادى غداً أكثر.