الدوحة تصافح الكِتاب
في زمنٍ تتكاثر الضوضاء، وتتسارع الشاشات، حتى تكاد تستلب الإنسان من لحظة تأمُّلٍ صادقة، يجيء معرض الدوحة الدولي للكتاب كأنه استراحة العقل العربي من صخب العصر، وتذكيرٌ بأن الأمم لا تُشادُ بالأسواق وحدها، بل تُشاد أيضاً بالمعرفة، وبالكتاب الذي يحفظ للروح اتزانها وللعقل نورَه.
ولم يكن المعرض هذا العام مجرَّد سوقٍ للكتب، ولا مهرجاناً عابراً تُلتقط فيه الصور ثم يُطوى أثره بانتهاء أيامه، بل بدا كأنه موسم ثقافي كبير اجتمعت فيه دُور النشر من أنحاء العالم العربي، تحمل خلاصة ما أنتجته العقول من فكرٍ وأدبٍ وتاريخٍ وعلوم. فالقادم إلى المعرض لا يمرُّ بين أجنحةٍ صامتة، بل يسير في ممرَّات تضجُّ بالحياة، هنا قارئ يُفتش عن كتابٍ نادر، وهناك شابٌّ يقلب صفحات روايةٍ بشغف، وفي زاويةٍ أخرى أبٌ يُعلِّم طفله كيف تكون المصافحة الأولى مع الكتاب.
وقد جاءت زيارة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لتمنح المشهد الثقافي بُعداً يتجاوز حدود البروتوكول، إذ بدا حضوره وكأنه إعلان واضح بأن الكتاب لا يزال في قلب المشروع الحضاري الذي تراهن عليه قطر. فالأمم التي يلتفت قادتها إلى معارض الكُتب، ويُعنَونَ بالثقافة كما يُعنَونَ بالعمران والاقتصاد، أممٌ تدرك أن بناء الإنسان أسبق من بناء الحجر، وأن المعرفة هي السور الحقيقي الذي يحفظ للأوطان مكانتها وهيبتها بين الأمم.
وقد ازدادت الصورة بهاءً بحضور الشيخة موزا بنت ناصر، في مشهدٍ أكد أن العناية بالثقافة ليست ترفاً حضارياً، بل هي أصل من أصول النهضة. كما جاءت زيارة لولوة بنت راشد الخاطر لتؤكد أن المدرسة والكتاب جناحان لا ينهض أحدهما من دون الآخر، فالتعليم الحقُّ لا يقوم على تلقينٍ جامد، بل على قارئٍ حيٍّ يمتلك فضول المعرفة، ويُحسن الحوار مع الفكر واللغة والتاريخ.
وما يُبهج في هذا المشهد أن الكتاب لا يزال قادراً على جمع الناس رغم هذا الطوفان الرقمي الهائل. فمع كل ما يُقال عن انصراف الأجيال الجديدة إلى الشاشات، ظلَّت القاعات مكتظة بالشباب والفتيان، كأن الفطرة الإنسانية تأبى إلا أن تظلَّ مشدودةً إلى المعرفة العميقة، لا إلى المعرفة الخاطفة التي تومض ثم تنطفئ.
ولم يقتصر أثر المعرض على أروقته فحسب، بل امتدَّ إلى الفضاء الرقمي أيضاً، حيث تحوَّلت التغطية الصباحية اليومية التي يقدِّمها الأخ العزيز الأستاذ خليفة المحمود عبر حسابه إلى موعدٍ ينتظره كثير من المتابعين، حتى غدت أشبه بروتينٍ صباحي لعشاق الكتاب. وقد امتازت تلك التغطيات بعفوية المثقف المُحب، لا بتكلُّف المراسل العابر، فكان يُنقل من خلالها نبض المعرض الحقيقي، وتصل إلى الناس حرارة المشهد الثقافي كما هو، بما فيه من شغفٍ وإقبال.
وقد أحسنَ القائمون على المعرض حين جعلوه فضاءً يتجاوز بيع الكُتب، فكانت الندوات الفكرية، واللقاءات الثقافية، والأمسيات الأدبية حاضرة، لتؤكد أن الثقافة ليست كتاباً يُشترى فحسب، بل هي حوار دائم يُنعش العقول ويُوسع المدارك. ومن أجمل ما تصنعه معارض الكُتب أنها تُبقي الصلة حيَّةً بين الإنسان وتراثه الفكري، لأن الأمة التي تحفظ لغتها وتقرأ تاريخها، أمة لا يسهل اقتلاعها من جذورها مهما تبدَّلت الأزمنة.
إن معرض الدوحة الدولي للكتاب لم يكن حدثاً ثقافياً عابراً، بل رسالة تقول إن الكتاب لا يزال قادراً على أن يجمع الناس حول معنى أسمى من الاستهلاك والعجلة، معنى الفكر والجمال والوعي الذي تُبنى به الحضارات، وتبقى به الأمم حيَّةً مهما اشتد حولها ضجيج العصر.