وجهة نظر: «سواتش»... هندسة تفريغ القيمة

نشر في 20-05-2026
آخر تحديث 19-05-2026 | 19:04
 تامر عبدالعزيز

في جانب آخر من هذا العالم، تعرض سكان بعض المخيمات، في عدد من العواصم، لاعتداءات من جانب عناصر شرطة بعد تصاعد أعمال شغب ومشاحنات وسط حالة من الإحباط الشديد التي سادت هؤلاء المخيمين، في حين تعرض آخرون، أوفر حظاً، لوعكات صحية وإعياء شديد نتيجة الانتظار الطويل في طقس متقلب.

لا تصف هذه المقدمة أحداثاً تعرض لها لاجئون من مناطق صراع، أو مشردون في اقتصادات متأزمة، أو حتى متظاهرون، في مكان ما، من أجل مطالب فئوية، بل كانت توصيفاً لحالة الفوضى التي حدثت أمام أفرع متاجر ساعات «Swatch» في العديد من المدن الكبرى بالعالم، مما أجبر الشركة السويسرية الشهيرة على إغلاق متاجرها بشكل مفاجئ، بعد خروج الأوضاع عن السيطرة الأمنية، إذ تدفق مئات المواطنين والمهتمين بجمع الساعات الفاخرة للاصطفاف في طوابير ضخمة امتدت أياماً أمام الفروع، رغبة منهم في اقتناء النسخة المحدودة الجديدة من ساعة الجيب المبتكرة «رويال أوك» الناتجة عن التعاون بين «سواتش» و«أوديمار بيغيه» والمستوحى من فن «البوب آرت»، والتي تتراوح أسعارها بين 400 و420 دولاراً، بينما وصلت أسعارها في السوق الثانوي إلى أكثر من 4000 دولار.

المفارقة، أن شركة «سواتش» صدمت الجميع بتقديم ساعة جيب بلاستيكية ذات ألوان قزحية فاقعة مستوحاة بالكامل من التصميمات العتيقة التي اشتهرت بها المجموعة في ثمانينيات القرن الماضي، لينقسم الجمهور فوراً على مواقع التواصل إزاء هذا التصميم غير المعتاد، حيث رآه البعض عملاً إبداعياً يعيد ذكريات الطفولة بقالب متجدد، بينما اعتبره آخرون محبطاً ومخيباً للآمال، لأنه ابتعد عن النمط الكلاسيكي لساعات اليد التي تمنوها.

ورغم الإحباط وخيبة الأمل لدى هؤلاء، ومن شرق آسيا مروراً بالشرق الأوسط وعواصم أوروبا وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية، ومن بين المخيمات وطوابير الانتظار الطويلة والمصادمات مع قوات الأمن وقنابل الغاز المسيل للدموع، ظل الأمر يستحق المعاناة للحصول على الساعة، لتبرز هذه الحالة كيف أصبحت المنتجات الطريفة أو المثيرة للجدل جزءاً أساسياً من استراتيجية الشركات الساعية إلى جذب الانتباه وتحقيق النمو في سوق تم إعادة هندسته.

لكن، لم تكن تصل الأمور إلى هذا الحد دون استخدام الخلطة التي استخدمتها الشركة لإشعال الطلب، حتى لو أنكرتها في رسالة تهدئة... خلطة الندرة العجيبة التي حولت الساعة إلى حدث عالمي، والتي طُبخت في هذه الحالة من: اسم فاخر - سعر في متناول شريحة واسعة - بيع في متاجر محددة - قطعة واحدة لكل شخص - انتشار سريع على وسائل التواصل.

اصطلاحاً، تعتبر الندرة هي حجر الأساس في علم الاقتصاد التقليدي، وتشير إلى الفجوة بين الموارد المحدودة (مثل الوقت، المال، والمواد الخام) والرغبات والاحتياجات البشرية غير المحدودة. وينص هذا المفهوم على أنه لا يوجد ما يكفي من الموارد لتلبية جميع متطلبات الأفراد، مما يجبر المجتمعات على اتخاذ قرارات بشأن الإنتاج والتوزيع والتسعير.

وإضافة إلى الندرة النسبية وتكلفة الفرصة البديلة، يعد تحديد القيمة هو أهم محاور أو مكونات هذه «الطبخة»، حيث تعتبر الندرة هي المحرك الرئيسي لقيمة الأشياء، فكلما كان المورد محدوداً، ارتفعت قيمته الاقتصادية.

لكن الإشكالية هنا، ليست في المخاوف المرتبطة بتكون فقاعة اقتصادية، كما تنبأت بها تحليلات اقتصادية معتبرة، بل في الطبخة الاستراتيجية الخفية التي حولت الطابور إلى المنتج الفعلي وليس الساعة كسلعة بحد ذاتها... الطبخة التي، لم تفكْ الارتباط، فقط، بين القيمة والحجم أو الكم، حين أصبح النقص المفتعل هو المحرك الحقيقي للحدث، وإنما فرغت القيمة من محتواها كلياً، حين استساغت الأجيال الشابة الطبخة واستلذتها، فتسابقوا إلى هذه الطوابير الطويلة لشراء الساعة، لا لحساب الزمن، بل لبناء رأس المال الاجتماعي عبر صورة رقمية سيقومون بنشرها لاحقاً في عالمهم الافتراضي، لترسخ قيم الفخامة المعاصرة التي لم تعد ترتبط بقيمة المنتج، بل بقدرة «سواتش»، أو غيرها، على هندسة ندرة جماعية مصطنعة تبيع الرمز والقصة في طابور طويل من المحبطين.

back to top