وجهة نظر: سحب القسائم الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للصناعة
صدر مؤخراً القرار الوزاري رقم 2 لسنة 2026 بشأن قواعد وضوابط إجراءات سحب القسائم الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للصناعة. ولقد شهدت التشريعات المنظمة للقسائم الصناعية والحرفية الخاضعة لإشراف هيئة الصناعة تطوراً تشريعياً وإدارياً متدرجاً على مدى أكثر من ربع قرن، انتقلت خلاله الدولة من مرحلة تنظيم الانتفاع بالقسائم وتشجيع الاستثمار الصناعي إلى مرحلة الرقابة المشددة ومكافحة استغلال أراضي الدولة والتأجير غير المشروع والاتجار بالقسائم.
وكان الهدف في البداية توفير الأراضي بقصد تشجيع الاستثمار الصناعي، وكان تنظيم التراخيص لربط الانتفاع بالقسائم لتحقيق أغراض الصناعة الفعلية.
وقد أرست من البداية القوانين والقرارات ذات الصلة، وأكدت أن حق الانتفاع بالقسيمة ليس ملكية مطلقة، وهذا ترسيخ لما جاء في القانون المدني بأن حق الانتفاع يختلف عن حق الملكية، فقد يكون المنتفع غير مالك للعين المنتفع بها كما هو في قسائم أملاك الدولة والأعيان والأماكن التي يتم استئجارها من مالكها بقصد الانتفاع بها سواء للسكن أو لأي وجه من أوجه الانتفاع.
وكانت الأنظمة والقرارات الإدارية مرنة نسبية، إذ كان التركيز منصباً على تنمية القطاع الصناعي أكثر من التركيز على الجزاءات والسحب، ومع توسع المناطق الصناعية والخدمية والحرفية بدأت الدولة تتجه إلى تخصيص النشاط بسب نوع القسيمة، والتشديد على شروط الاستغلال، وفرض رقابة أكبر على التنازل والتأجير من الباطن، ولكن لم تكن التشريعات آنذاك تقوم على الحظر المطلق للتأجير بل على تنظيمه فكانت أغلب القرارات تشترط موافقة الهيئة وعدم تغيير النشاط وعدم مخالفة الغرض الأساسي من منح القسيمة.
وفي فترة لاحقة، برز بوضوح تحول مهم، إذ بدأ الاعتراف بصورة صريحة ومنظمة بمبدأ التأجير من الباطن وفقاً للضوابط المنظمة مع اشتراط موافقة الجهات المختصة ذات الصلة، وقد كان هذا التطور التشريعي مهماً، لأنه أقر واقعاً عملياً كان قائماً في السوق، إذ تم نقل التأجير من دائرة المخالفة إلى دائرة التنظيم الإداري، ذلك لأن الإدارة في تلك المرحلة تتجه إلى ضبط الاستغلال وليس إلغاء صور الانتفاع بأشكاله الأخرى بصورة مطلقة.
ابتداء من عامي 2025-2026 اتخذت الحكومة اتجاهاً أكثر صرامة تجاه ملف القسائم المؤجرة سواء الصناعية أو الخدمية أو الزراعية، وأعلنت عن سحب الكثير من القسائم وإلغاء التراخيص، وإغلاق مواقع بسبب التأجير للغير، واستغلال القسائم بالمخالفة للغرض المخصص لها، وبسبب التعدي على أملاك الدولة وعدم الجدية في التشغيل.
وقد ارتبط ذلك بعدة اعتبارات مثل حماية أراضي الدولة، ومكافحة الاتجار بالقسائم، وإعادة التوزيع على المستثمرين الجادين، وتعزيز الرقابة على الأنشطة الصناعية الفعلية.
وقد جاءت نقطة التحول الكبرى في القرار الأخير رقم 2 لسنة 2026 ليتم توحيد قواعد السحب وآليات التنظيم والإخلاء والاسترجاع.
وقد حدد القرار تسع حالات رئيسية لسحب القسائم الصناعية أبرزها التأجير للغير ومنحه حق الانتفاع، والتصرف بالقسيمة دون موافقة الجهة المختصة، ومخالفة الغرض المخصص من أجلها القسيمة، أو التوقف عن الإنتاج، ومخالفة شروط البيئة والسلامة، أو إذا كان صاحب المشروع الصناعي أو القسيمة الصناعية قدم معلومات كاذبة أو مضللة أو قام باستعمال أساليب غير مشروعة، مع فتح باب التظلم من قرار السحب خلال مدة محدودة، مع تبيان آليات الإخلاء الإداري والغرامات التصاعدية على التأخير في تسليم القسيمة.
وهنا تبرز الإشكالية في التطبيق العملي للقرار الجديد، فالتشريعات السابقة كانت تنظم التأجير وتجيزه بشروط وتربطه بالموافقة الإدارية إلا أن القرار الجديد اعتبر التأجير سبباً مباشراً للسحب في كثير من الحالات، مما خلق إشكالية في المراكز القانونية القائمة ومدى سلطة الجهة الإدارية في زعزعة المراكز القانونية القائمة والمستندة إلى قرارات وتشريعات كانت قائمة وكانت الهيئة وافقت عليها أو كانت على علم بها واستمرت في تحصيل الرسوم وتجديد التراخيص.
إن تحول الإدارة من مرحلة تشجيع الاستثمار والصناعة إلى مرحلة الحوكمة والانضباط في حماية أملاك الدولة يجب أن يكون متوازناً من حيث مكافحة الاستغلال غير المشروع وبين حماية الاستقرار القانوني للمستثمرين والمراكز القانونية القائمة خصوصاً للحالات التي تم تشييد المباني وإقامة المصانع وشراء الآلات والمعدات بحسن النية، واستناداً إلى قرارا كانت قائمة في ذلك الوقت.